عمتي وأحمد
سبتمبر 10th, 2008يا ترى هل يعيش المحب في هيامه ومحبته وعشقه بلا روح كالتمثال أو الجسد المحنط لا يشعر بشيء مما حوله ، أم أن روحه تنتزع منه انتزاعاً كل لحظة وذلك لإبقائه على رمق من الحياة الجسدية وتمسكه بها وحرصه عليها ، وحتى لو زهد فيها لما كان له أن يتخلص منها إلا إذا أمر الله بذلك..
الفرق شاسع جداً!
( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)
قبل عدة أيام كنت عند طبيب الأسنان ، حيث قرر بعد رؤيته للسن أن يقتلعه لعدم جدوى العلاج معه ، بصراحة كان الطبيب ماهراً في عمله فاقتلعه في وقت يسير رغم ضعفه وتعمق جذوره ، فلم أتألم كثيراً ولله الحمد ، ولم أعر الأمر أي اهتمام لبساطته ، ولكنني صدمت يوم رأيته منفصلاً عني إلى حيث لا رجعة ، وذلك بعد أن تخيلت أنني مجرد أجزاء تتفرق شيئاً فشيئاً.. هكذا ، بكل بساطة!
ما رأيت عسراً كأن تجمع بين مرادك ومراد محبوبك ، فلا أنت قادر على نزع المحبة والتخلي عنها ، ولن تقوى على توحيد المراد!
***
اسمحوا لي أن أحكي لكم عن امرأة من أقرب وأحب نساء الأرض إلي..
ربع قرن وأنا وإياها نتبادل الحب بأسمى معانيه ..
نتطابق في ثلاثة أجزاء من الاسم الرباعي ، فأبوها هو جدي ، وسميت أنا على جدها ، والعائلة هي العائلة ، ولقب القبيلة هو نفسه!
سرور لا أستطيع وصفه حينما تقبل علي من أسفل البيت ، وحينما أرى طلعتها البهية بوجهها المشرق ممزوجة بمشاعر الفرح والترحيب ، وكأنني عائد من سفر أو مهتد بعد طول تيه.
تضمني قبل أن تصافحني ، أحيانا أسبق إلى تقبيل رأسها وأحيانا تسبقني بقبلاتها العذبة وضمتها الحنونة ، كأني بالشوق يحدوني ويحدوها فينسينا فارق العمر وعادات السلام!
تحب والدي كثيراً ، ولا عجب في ذلك ، فهو أخوها الوحيد ، وهي شقيقته الوحيدة ، أكثر من ستين عاماً بحلوها ومرها وأحداثها ومراحلها ، شركاء في الأفراح والأحزان ، وقرب في السجايا وبين القلوب ، لا أجد لحبي لها تفسيراً إلا من حب والدي لها ، وحبها له ، وهذه الرحم وما تفعل!
لن أنسى يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر رجب لعام ألف وأربعمئة وتسعة وعشرين للهجرة ، حينما ذهبت أودعها في آخر يوم لي في السعودية قبل رحلتي إلى أستراليا ، كنت أحسبها الضمة الأخيرة قبل الرحلة ، ما أرحمك يا رب!
لقد كدت أختنق من العبرات حينما هممت بالخروج من منزلها ، آخر منزل وطأته قدماي قبل سفري إلى البعد ، سوى منزل والدي ـ حفظه الله ـ ، كنت أصرف نظري يمنة ويسرة ، والقوى لم تعد هي القوى ، فضلت الفرار بسرعة ، لم أحسب أن الأمور ستكون كما كانت تلك السرعة..
كان أكثر ما يضنيني تلك اللحظات ، حينما أتذكر أن هناك أحبة أعدهم باللقاء ، ويعدونني به ، ثم بعدها بلحظات ، يساورني الشك في الوفاء ، فيتحول بريق هذا الموعد الجميل إلى كدر ودهشة تلاحقني كلما لاح طيف أو ورد خاطر..
كنت أجزم أن هناك أحبة ممن ودعتهم سأحرم لقاهم وسأحرم حتى وداعهم ! ولكني أتهم نفسي محاولاً إقناعها بأنها مجرد وسوسة، وما هي إلا أيام تخبئ وراءها حقائق..
اتصلت بها أول أيام الشهر الكريم ، أبارك لها حلول الشهر وبلوغه ، وأطمئنها على حالي وأطمئن على حالها ، كأني بها تحكي وقائع الاتصال لمحبوبها وابنها الأصغر أحمد أثناء طريقهم إلى مدينة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
أحمد وما أدراك ما أحمد! لي مع هذا الاسم ذكريات ..
هنا أتوقف ..
أحمد بن عبدالله الكثيري ، ابن خالي ، يكبرني ببضعة أشهر ، وزميل الطفولة ، يحمل بين جنبيه قلباً طاهراً نقياً محباً ، كريم منذ صغره ، شجاع مغامر ، يسمع به الخوف ولم يره ، خفيف النفس لطيف المعشر.. كنا نتبادل الحب يوماً ما ، كما نتبادل اللقمة والحلوى ، وكما كنا نلعب بشراهة في أرجاء بيت خالي الفسيح أو مزرعته الواسعة ، وكما كنا نتشاجر ويهجر أحدنا الآخر لنعود بعدها باحثين عن الصلح والوئام ولو لأتفه الأسباب!
لن أنسى السرور الذي كان يغمرني به سنوات الصبا ، لا أزال أحتفظ بوده ومحبته ، وسأحفظها ما حييت ، فقد ودعته في العشر الأخيرة من رمضان قبل ست سنوات ، هناك في إحدى نواحي المنصورية يرتاح في روضة من رياض الجنة إن شاء الله..
أما أحمد الآخر ، فهو أحمد بن زيد الكثيري ، ابن عمتي ، يكبرني أيضاً ببضعة أشهر ، زميلي في الدراسة الثانوية ، ومع الحلقات في تلك الأيام ..
جمع الله له بين قوة العقل وقوة البدن ، زينتها خصال الرجولة التي سبق الرجال إليها منذ أن كان طفلاً ، عجيب كل العجب ، كأنما حيزت له الشجاعة والنخوة والكرم فلم يبق منها لأحد شيء..
أيضاً .. لن أنسى وفاءك وحبك وإخلاصك لابن خالك ، لن أنسى أيام كنا نفتخر ببعض أمام الأصحاب ، كما كنا نلعب مع بعض ونشاغب أيضاً مع بعض..
أعود إلى العمة..
كانت تحب مكة والمدينة ، فرحت بتعيين ابنها ومحبوبها أحمد في المدينة قبل عام رغم البعد ، طمعاً في مجاورة المسجد والمكث في تلك المدينة المباركة..
صار حبها لمكة والمدينة مضرب المثل في العائلة ، لم يعد يهمها إلا متى تذهب ولا تكاد تعود إلا وهي تفكر في الزيارة الأخرى..
كان يحلو لي أن أنادي المهرة المصونة (الجوهرة) بعمتي ، فإذا قلت عمتي علم الجميع أن هناك جسراً من الحب يتم تشييده ، وما كنت أناديها بذلك إلا إذا رأيت منها ما يسر ، كما كنت أسر برؤية عمتي وإطلالتها البهية..
اتفقنا ذلك الخميس أن نتواصل دائماً ، وأن أزورها بمجرد وصولي إن شاء الله
وأكدت ذلك العهد في مكالمة الأثنين أول الشهر..
ما كنت أدري أن مكالمة الأثنين كانت آخر مكالمة !
وأن زيارة الخميس كانت آخر زيارة !
وأن العهد سينقض بعد المكالمة بيومين فقط!!
كانا محرمين من المدينة إلى مكة ملبين بالعمرة.. ليعود بهما قدر الله محمولين إلى بقيع الغرقد!
لقد دفنت عمتي في بقيع الغرقد ، بعيدة عن زوجها ، وأخيها ، وأبنائها ، ومحبيها الكثيرين ، لكنها قريبة من جدها صلى الله عليه عليه وسلم وأمها عائشة والزهراء وأمهات المؤمنين ، هنيئاً لك الجوار يا عمتي.. هنيئاً لك..
أحمد بالتأكيد كان يرتدي إحراماً ، هنا أتوقف لأتذكر الإحرام الذي اشتراه لي في ميقات السيل الكبير ، يوم نسيت إحرامي وفقدت نقودي ، كنا وقتها صغاراً لم نتجاوز الرابعة عشرة ، لكن صدقوني فقد سبق إليها الرجال منذ طفولته..
انتهى الأمر ، فلا مكالمة بعد اليوم ولا زيارة ولا معايدة ، الوداع الذي كنت تودعها يوم الخميس كان الوداع الأخير ، ولو لم تكن تدري بذلك حينها ..
خفي عنك خبر رحيلها وابنها زميلك أحمد ، حين علم القاصي والداني والقريب والبعيد ، خفي عنك ستة أيام ، كأن الناس كلها تواطأت عليك ، ليزداد ألمك وتتضاعف حسرتك ، ولتعلم أنك هنا وحدك ، فتبكي على نفسك قبل بكاءك عليهما..
لن يعزيك هنا أحد ، وربما لن يتذكرك أحد ..
ابك عليهما هنا وحدك ، وابك على نفسك ، فقد أيقنت أنك كنت تودعهما إلى غير لقاء!
==========
تعزية صادقة لكل من
- والدي ووالدتي حفظهما الله وأطال في عمرهما على طاعته ، وإخواني حسين وتركي والأخوات
- الخال زيد الكثيري شفاه الله ورفعه بطاعته ، وأبناءه عبدالله ومحمد وحسين وإبراهيم وعبدالرحمن وأخواتهم ، ويزيد وأحمد أبناء عبدالله
- وصادق التعازي والدعوات بالصبر لسائر الأقارب والزملاء والإخوان جميعاً..