عمتي وأحمد

سبتمبر 10th, 2008

يا ترى هل يعيش المحب في هيامه ومحبته وعشقه بلا روح كالتمثال أو الجسد المحنط لا يشعر بشيء مما حوله ، أم أن روحه تنتزع منه انتزاعاً كل لحظة وذلك لإبقائه على رمق من الحياة الجسدية وتمسكه بها وحرصه عليها ، وحتى لو زهد فيها لما كان له أن يتخلص منها إلا إذا أمر الله بذلك..

الفرق شاسع جداً!
( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)

قبل عدة أيام كنت عند طبيب الأسنان ، حيث قرر بعد رؤيته للسن أن يقتلعه لعدم جدوى العلاج معه ، بصراحة كان الطبيب ماهراً في عمله فاقتلعه في وقت يسير رغم ضعفه وتعمق جذوره ، فلم أتألم كثيراً ولله الحمد ، ولم أعر الأمر أي اهتمام لبساطته ، ولكنني صدمت يوم رأيته منفصلاً عني إلى حيث لا رجعة ،  وذلك بعد أن تخيلت أنني مجرد أجزاء تتفرق شيئاً فشيئاً.. هكذا ، بكل بساطة!

ما رأيت عسراً كأن تجمع بين مرادك ومراد محبوبك ، فلا أنت قادر على نزع المحبة والتخلي عنها ، ولن تقوى على توحيد المراد!

***

اسمحوا لي أن أحكي لكم عن امرأة من أقرب وأحب نساء الأرض إلي..

ربع قرن وأنا وإياها نتبادل الحب بأسمى معانيه ..

نتطابق في ثلاثة أجزاء من الاسم الرباعي ، فأبوها هو جدي ، وسميت أنا على جدها ، والعائلة هي العائلة ، ولقب القبيلة هو نفسه!

سرور لا أستطيع وصفه حينما تقبل علي من أسفل البيت ، وحينما أرى طلعتها البهية بوجهها المشرق ممزوجة بمشاعر الفرح والترحيب ، وكأنني عائد من سفر أو مهتد بعد طول تيه.

تضمني قبل أن تصافحني ، أحيانا أسبق إلى تقبيل رأسها وأحيانا تسبقني بقبلاتها العذبة وضمتها الحنونة ، كأني بالشوق يحدوني ويحدوها فينسينا فارق العمر وعادات السلام!

تحب والدي كثيراً ، ولا عجب في ذلك ، فهو أخوها الوحيد ، وهي شقيقته الوحيدة ، أكثر من ستين عاماً بحلوها ومرها وأحداثها ومراحلها ، شركاء في الأفراح والأحزان ، وقرب في السجايا وبين القلوب ، لا أجد لحبي لها تفسيراً إلا من حب والدي لها ، وحبها له ، وهذه الرحم وما تفعل!

لن أنسى يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر رجب لعام ألف وأربعمئة وتسعة وعشرين للهجرة ، حينما ذهبت أودعها في آخر يوم لي في السعودية قبل رحلتي إلى أستراليا ، كنت أحسبها الضمة الأخيرة قبل الرحلة ، ما أرحمك يا رب!

لقد كدت أختنق من العبرات حينما هممت بالخروج من منزلها ، آخر منزل وطأته قدماي قبل سفري إلى البعد ، سوى منزل والدي ـ حفظه الله ـ ، كنت أصرف نظري يمنة ويسرة ، والقوى لم تعد هي القوى ، فضلت الفرار بسرعة ، لم أحسب أن الأمور ستكون كما كانت تلك السرعة..

كان أكثر ما يضنيني تلك اللحظات ، حينما أتذكر أن هناك أحبة أعدهم باللقاء ، ويعدونني به ، ثم بعدها بلحظات ، يساورني الشك في الوفاء ، فيتحول بريق هذا الموعد الجميل إلى كدر ودهشة تلاحقني كلما لاح طيف أو ورد خاطر..

كنت أجزم أن هناك أحبة ممن ودعتهم سأحرم لقاهم وسأحرم حتى وداعهم ! ولكني أتهم نفسي محاولاً إقناعها بأنها مجرد وسوسة، وما هي إلا أيام تخبئ وراءها حقائق..

اتصلت بها أول أيام الشهر الكريم ، أبارك لها حلول الشهر وبلوغه ، وأطمئنها على حالي وأطمئن على حالها ، كأني بها تحكي وقائع الاتصال لمحبوبها وابنها الأصغر أحمد أثناء طريقهم إلى مدينة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

أحمد وما أدراك ما أحمد! لي مع هذا الاسم ذكريات ..
هنا أتوقف ..
أحمد بن عبدالله الكثيري ، ابن خالي ، يكبرني ببضعة أشهر ، وزميل الطفولة ، يحمل بين جنبيه قلباً طاهراً نقياً محباً ، كريم منذ صغره ، شجاع مغامر ، يسمع به الخوف ولم يره ، خفيف النفس لطيف المعشر.. كنا نتبادل الحب يوماً ما ، كما نتبادل اللقمة والحلوى ، وكما كنا نلعب بشراهة في أرجاء بيت خالي الفسيح أو مزرعته الواسعة ، وكما كنا نتشاجر ويهجر أحدنا الآخر لنعود بعدها باحثين عن الصلح والوئام ولو لأتفه الأسباب!
لن أنسى السرور الذي كان يغمرني به سنوات الصبا ، لا أزال أحتفظ بوده ومحبته ، وسأحفظها ما حييت ، فقد ودعته في العشر الأخيرة من رمضان قبل ست سنوات ، هناك في إحدى نواحي المنصورية يرتاح في روضة من رياض الجنة إن شاء الله..

أما أحمد الآخر ، فهو أحمد بن زيد الكثيري ، ابن عمتي ، يكبرني أيضاً ببضعة أشهر ، زميلي في الدراسة الثانوية ، ومع الحلقات في تلك الأيام ..
جمع الله له بين قوة العقل وقوة البدن ، زينتها خصال الرجولة التي سبق الرجال إليها منذ أن كان طفلاً ، عجيب كل العجب ، كأنما حيزت له الشجاعة والنخوة والكرم  فلم يبق منها لأحد شيء..
أيضاً .. لن أنسى وفاءك وحبك وإخلاصك لابن خالك ، لن أنسى أيام كنا نفتخر ببعض أمام الأصحاب ، كما كنا نلعب مع بعض ونشاغب أيضاً مع بعض..

أعود إلى العمة..
كانت تحب مكة والمدينة ، فرحت بتعيين ابنها ومحبوبها أحمد في المدينة قبل عام رغم البعد ، طمعاً في مجاورة المسجد والمكث في تلك المدينة المباركة..
صار حبها لمكة والمدينة مضرب المثل في العائلة ، لم يعد يهمها إلا متى تذهب ولا تكاد تعود إلا وهي تفكر في الزيارة الأخرى..

كان يحلو لي أن أنادي المهرة المصونة (الجوهرة) بعمتي ، فإذا قلت عمتي علم الجميع أن هناك جسراً من الحب يتم تشييده ، وما كنت أناديها بذلك إلا إذا رأيت منها ما يسر ، كما كنت أسر برؤية عمتي وإطلالتها البهية..

اتفقنا ذلك الخميس أن نتواصل دائماً ، وأن أزورها بمجرد وصولي إن شاء الله
وأكدت ذلك العهد في مكالمة الأثنين أول الشهر..
ما كنت أدري أن مكالمة الأثنين كانت آخر مكالمة !
وأن زيارة الخميس كانت آخر زيارة !
وأن العهد سينقض بعد المكالمة بيومين فقط!!
كانا محرمين من المدينة إلى مكة ملبين بالعمرة.. ليعود بهما قدر الله محمولين إلى بقيع الغرقد!
لقد دفنت عمتي في بقيع الغرقد ، بعيدة عن زوجها ، وأخيها ، وأبنائها ، ومحبيها الكثيرين ، لكنها قريبة من جدها صلى الله عليه عليه وسلم وأمها عائشة والزهراء وأمهات المؤمنين ، هنيئاً لك الجوار يا عمتي.. هنيئاً لك..
أحمد بالتأكيد كان يرتدي إحراماً ، هنا أتوقف لأتذكر الإحرام الذي اشتراه لي في ميقات السيل الكبير ، يوم نسيت إحرامي وفقدت نقودي ، كنا وقتها صغاراً لم نتجاوز الرابعة عشرة ، لكن صدقوني فقد سبق إليها الرجال منذ طفولته..
انتهى الأمر ، فلا مكالمة بعد اليوم ولا زيارة ولا معايدة ، الوداع الذي كنت تودعها يوم الخميس كان الوداع الأخير ، ولو لم تكن تدري بذلك حينها ..
خفي عنك خبر رحيلها وابنها زميلك أحمد ، حين علم القاصي والداني والقريب والبعيد ، خفي عنك ستة أيام ، كأن الناس كلها تواطأت عليك ، ليزداد ألمك وتتضاعف حسرتك ، ولتعلم أنك هنا وحدك ، فتبكي على نفسك قبل بكاءك عليهما..

لن يعزيك هنا أحد ، وربما لن يتذكرك أحد ..

ابك عليهما هنا وحدك ، وابك على نفسك ، فقد أيقنت أنك كنت تودعهما إلى غير لقاء!

==========

تعزية صادقة لكل من

-  والدي ووالدتي حفظهما الله وأطال في عمرهما على طاعته ، وإخواني حسين وتركي والأخوات

- الخال زيد الكثيري شفاه الله ورفعه بطاعته ، وأبناءه عبدالله ومحمد وحسين وإبراهيم وعبدالرحمن وأخواتهم ، ويزيد وأحمد أبناء عبدالله

- وصادق التعازي والدعوات بالصبر لسائر الأقارب والزملاء والإخوان جميعاً..

شيء من المعاناة

أغسطس 30th, 2008

لله ، ما أقساها من لحظات ، حينما يشعر المحب بانخلاع روحه عن جسده وانتقالها إلى مكان بعيد، ليظل بعد ذلك مكلوماً يتألم في نهاره مع نصبه وكده ، كما يتوجع وحيداً في ليله، يقابل ابتسامة الصبح بابتسامة متكلفة تخفي وراءها شيئا من ثقل نفس سرعان ما يدب إليها النصب ويهدها الجهد هداً ، ولا عجب في ذلك ، فكيف سيكون فيها بقية وهي لم تأخذ من الليل إلا همه وثقل وطأته ومر مذاقه، وما نسيت إلا راحته وسكنه ولذة نومه..

يثقل عليه كل شيء ، حتى الشهيق ، فروحه هي التي تتنفس ، وقد نأت عنه بعيداً ، فصار يستنشق النفس الذي يحتاجه جسده الذي هو جسده لم يتغير، ببقية باقية من روحه !

يحاول الجسد أن يكيف نفسه مع مقدار الحياة الذي شح عليه كثيراً ، فيجد الفرق شاسعاً جداً ، يتخبط ذات اليمين وذات الشمال باحثاً عن حياته ، يعود بعد كل جولة خاسرة ليبحث عن روحه التي فقد لعله أن يجد ولو شيئاً منها ، فلا يحظى إلا بمزيد بعد وجرعات تزيده ألماً.

كان يتمنى دوام الوصال والقرب من حبيبه الذي ملأ قلبه ، فإذا به لا يفاجأ بفقده فقط ، وإنما روحه التي بين جنبيه ، وفؤاده العامر بالنبض ، أصبحا يتأبيان عليه ويفارقانه كل يوم مرات عدة، فارق حبيبه مرة واحدة في لحظات معدودة ، أطفأت حرارتها دمعات تنسكب لتبرد فؤاده قبل أن تلامس جسده ، وعبرات كبلت عقله عن التفكير كما كبلت لسانه عن الحديث ، لم يكن يدري المسكين أن أيام وساعات كثيرة بانتظاره يفارق فيه قلبه وروحه وحياته كلها وحده ، يتألم للبعد كلما تلذذ بالذكرى ، تألم يوم الفراق مرة ، ثم ها هو يعالج مرارة أشد كل يوم ألف مرة ، يتلظى بلهيبها وحده ، فلا دموع تبرد عليه ، ولا مسامر يخفف عنه ، ولا الحبيب بجواره ليتظاهر بالقوة والجلد أمامه ، حتى هو نفسه لم يعد يرى نفسه ، لم يعد يرى إلا الظلام ، أو أن الظلام حجب عنه رؤية كل شيء!

يرى تاريخ حياته كله وكأنه يقرأ مذكراته ، بمواقفه وذكرياته ودروسه ، يتذكر حلوه ومره ، ولكنه الآن لا يشعر إلا بمره فقط ..

يرى القمر في أبهى صورة له ، ويسر به كثيراً ، لله ما أجمله وما أنقاه وما أوفاه ، إنه معي دائماً منذ أبصرت عيناي ، إنه هو القمر الذي كان يراه كل يوم مع حبيبه ، هنا يتوقف السرور ..

يحلق بعينيه في السماء الصافية ، يتنقل بين سحبها كما يتنقل أحدكم بين أهله وأحبابه ، لله ما أوفاها أيضاً ، لقد صاحبته في غربته كما كانت معه من قبل ، إنها هي هي ، يتحول تأمله إلى أسى ولوعة حينما يتذكر أنه كان يجلس تحت أديمها هو وحبيبه متى شاء ..

يهب النسيم العليل ، في مكان خلاب لا تملك إلا أن تقول أنه جزء من الجنة ، تراوده نفسه بأن يفرح ويبتهج ويبتسم لهذا النعيم ، وحينما يهم ويجزم بذلك ، إذا به يستنشق رائحة حبيبه مع كل ذرة هواء أدركت أن تتسلل إلى رئتيه ، لتتسلل دموعه بين جفنيه ، ساخنة سخونة الجحيم التي تلظى في فؤاده..

هذه هي المحبة..

وهذا هو البعد..

وهذا شيء من المعاناة .. باختصار

الحساسية ضد التغيير

أغسطس 17th, 2008

عندما نقول (حساسية) يعني أننا نتكلم عن مرض أو خلل ، فالإحساس الذي يتسم بالصدق والدقة هو منزلة وسط (لأمة الوسط) بين انعدام الإحساس المصحوب بشيء من البلاهة وفقد القيم ، وبين الحساسية المفرطة المصحوبة بشيء من الرعونة والغلظة والمبالغة وتحميل الأمور ما لا تحتمل.

وعندما نقول (تغيير) فإنه يعني أننا نتكلم عن ظاهرة صحية، أعني التغيير المشروع ، وهو قنطرة لا بد من العبور من خلالها ، أو سلم لا بد من الصعود عليه ، لأجل الهروب من واقع مظلم أو تفادى أخطار محدقة ، والوصول إلى مستقبل مشرق أو على الأقل محاولة البحث عن مصادر النور ومكامن الحل.

بحكم أن التغيير قنطرة أو سلم ، فيعني أن هناك احتمالية للسقوط والتهاوي أو على الأقل التعثر.

وبحكم أن الحساسية (المرض) تحفظ واستقرار ومكانك راوح فيعني أن هناك ضمان وأمان وراحة نفس وبال وأموال..

وكذلك بحكم سيطرة قناعات من مثل (الموت مع الجماعة رحمة) و(باب يجيك منه ريح) و(عصفور باليد ولا عشرة على الشجرة) ، والقائمة في هذا تطول، للأسف .. فضل الكثيرون المكوث على السير والعبور، وبعبارة أخرى ـ آثروا السلامة ـ .

طبعا هذه القناعات كلها تطير في عالم الكسب الشخصي وتحقيق الأرباح والطمع المادي، إنما يتم اللجوء إليها في فكر النهوض بالأمة والسير في سبيل الإصلاح، ليت شعري كم من المشاريع التي تم وأدها بمثل هذه الحجج المظلمة!

لا تتردد من التجديد أو التغيير على الملأ ، كن شجاعاً ، فإنك إن كنت محقاً نلت الأجران وحزت شرف السبق ، وإن كانت الأخرى نلت الأجر ، وباب التوبة مفتوح لا يملك أحد إغلاقه وإن بلغ في أعين الناس المنازل!

الأساس واحد ، والعقيدة واحدة ، والمنطلقات هي هي ، والأهداف هي المحك ، وطريق الهدى واسع ، وكل يختار لنفسه مكانه فيه ، ويحدد طريقة سيره ، يغيرها متى شاء وكيف ما شاء لا يلومه على ذلك أحد ، ما لم ينقض مبدأ أو يقع في تناقض ، أو يضر الآخرين ..

كل منا يتغير ، نقر اليوم ما ننكره غداً ، ونقر اليوم ما أنكرناه بالأمس ، الحمد لله ، ما دام الأمر فيه سعة والسبيل هي السبيل ، وما سلمت لنا الثوابت والمسلمات ، نتقلب في طريقنا إلى الله كيف شئنا وننتقل فيه من خانة إلى خانة طمعاً في السبق وشوقاً إلى الوصول ، ونؤمن حقاً أن هذا هو الثبات الذي نرجوه ونريده ، الثبات على الدين والطاعة ، فما ليس من الدين لا ثبات عليه ، وما ليس طاعة لا انصراف نحوه ، يِختلف في الحق دائماً فلا نقول ها هنا الحق، إلا بعد أن نقول (اهدنا لما اختلف فيه من الحق) ، نغامر في سبيل النهوض بالأمة ، ونكون شجعاناً في التغيير كما كنا شجاعاً في الثبات ، ونخاف على الأمة الفتنة أكثر من خوفنا على أنفسنا ،ونقدم المصالح العامة ، ونعرف لكل ذي حق حقه ، وننزل الناس منازلهم ، ونضع المسائل في مواضعها ، ونخاطب أنفسنا ومن حولنا كما لو كنا نخاطب العالم كله!

الثبات على الدين وقواعده وشرائعه ، ومكارم الأخلاق التي دعا إليها ، والكفر بالطاغوت وبغضه ومحاربته، ما عدا ذلك فسوف نغير ونتغير رغبة في الوصول لهذه الثوابت وتحقيقها.

التغيير سنة من سنن الله تعالى ، ومن الأمور الضرورية لكل من يطمح إلى تحقيق مكاسب أكبر أو الانتقال إلى مراحل أعلى ، وكما قيل في مجال تحقيق الأهداف والوصول إليها ، لا بد من تغيير الوسيلة حسب تغير الهدف ومتعلقاته ، كيف تحقق مكسباً ما أو تصل إلى غاية ما ، بنفس الطريق الذي سلكته للوصول إلى الغاية السابقة المختلفة عن هذه الغاية ، إذن لا بد من التغيير.

نبرهن على هذا الكلام ونثبت صحته ونستدل عليه بقول الحق ـ الذي لا يتغير أبداً ـ (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

أرجوك إذن غير ، تأمل في انتظامك وسيرك وأساليبك وأفكارك ، فصفصفها واحدة تلو الأخرى (حاسب نفسك)، وابحث عن بدائل أفضل ، أو تخل عنها إن رأيت ذلك ، المهم غير ، وإذا شعرت بضرورة الاستمرار والبقاء فالأمر في النهاية راجع لك ولتقديرك، المهم أنك نفضت الغبار.

تخلص من بعض عاداتك وأفكارك وأدبياتك واستحدث أخرى أفضل وأرقى وأسمى، صدقني سيجد الآخرون لك مذاقاً آخر وطعماً آخر ، وسيتمتعون بشكلك الجديد ، وستتخلص من أصحاب العقول المتحجرة وحمقى القديم وحمير الكد ، إن لم ينلك منهم شيء من التعريض والهمز واللمز ، إن لم يكن المخالفة والصراع.

طبعاً كلما صغر العقل وغاب الوعي وقل الأدب ، كلما ازداد النفور وعظم النكير ، العلاقة عكسية!

كم من مدعي الثبات ومشوهي صفاءه يعتقدون أنهم هم الصامدون الثابتون الأشاوس ، وما هي إلا الرعونة  واتباع الهوى وسطحية التفكير وجلافة الطباع واختلال النوايا والجهل.

أما أهل الفكر والوعي والإنصاف وأرباب الشمائل والأخلاق الكريمة ، وأصحاب المبادئ والغايات العظيمة ، سيقدرون لك تغيرك بل وربما يزيد احترامهم لك كونك صاحب رؤى لن يحيد بك تغيير الطرق والوسائل عن الوصول إليها ، وكذلك ثقة تجعلك أكثر إتقاناً وحبكاً لهذا التغيير والتنوع حتماً ستسهم في حفظك وتثبيتك وتسريع وصولك.

زد من عداد السرعة لديك بتدرج ، لا تتهور فتزيد من نسبة الخطر ، ولا تتأخر فتخسر وقتك وحياتك ، زد السرعة شيئاً فشيئاً خصوصاً إذا أمنت الخطر وازدادت ثقتك بالطريق ، العمر محدود جداً يا حبيبي ، ستتجاوز أناس كثيرين تربطك بهم عواطف ومشاعر إياك أن تتأخر أو تتوانى لأجلها ، فكل ميسر لما قد خلق له ، فافطن لما خلقت له واسلك إليه ما ارتضيت من الطريق بكل جد وعزيمة ، والملتقى هناك !

كم هي كثيرة عوائق القراءة

أغسطس 11th, 2008

أحتار كثيراً حينما أتأمل في القراءة ، أهميتها وأثرها وفضلها ومتعتها ونحو ذلك ..

بيد أن هناك حواجز وعقبات كثيرة وصعبة يجب على كل امرئ أن يتجاوزها حتى يصبح قارئا ومن ثم ينال من القراءة أي شيء يريده، هذا شيء معلوم عند الجميع.

اسمحوا لي أن أروي لكم باختصار شيئاً من العقبات التي واجهتني في هذا الطريق الذي لا أزال في بدايته، فكلنا ذاك الذي يبحث عن إزالة كل ما يعيقه عن الوصول إلى تلك الجنة المسماة بـ (القراءة)!

كثرة الأصحاب وتوالي الالتزامات وتراكم الحقوق من الأشياء الكبيرة والضخمة والتي يجيد التعامل كل فرد حسب أصحابه والتزاماته والحقوق التي عليه، وكذلك اعتماداً على حكمته وذكاءه وطاقته. لذا، من العبث أن نقول لشخص ما هكذا من دون سابق علم ، إياك وكثرة الأصحاب الذين يشغلونك عن القراءة ، أو حاول أن تخفف من التزاماتك حتى تجد وقتاً تخصصه للقراءة، وهكذا.. فكل أدرى بنفسه وأولوياته.

في السنوات الأخيرة ـ تحديداً منذ سنتين أو أقل ـ بدأت معركتي مع القراءة ، بعد أن كنت أنا وإياها في سلم ، على الأقل مقارنة بالمرحلة التي كنت فيها ، والأعباء الدراسية والعملية التي كنت مثقلاً بها تلك الفترة، ولكننا كنا في سلم!

تفاجأت بأنني لم أعد أتحمل القراءة بشكل كبير، مجرد أن أمضي بعض الوقت إذا بي أشعر بشيء من الضجر والملل الذي يلح علي تغيير النشاط مباشرة.

بدأت تنتابني كثير من الهموم والوساوس بصراحة طوال تلك الفترة!

خلاص ودع الكتب وتابع الأخبار أهم شيء، وأشغل نفسك بأعمال أو أي شيء تستثمر فيه وقتك ودع القراءة لأهلها.

وأحيانا.. كثرة طلعاتك ومشاويرك واعتيادك لهذا الجو بدأ يحرمك من الاستمتاع بصفاء القراءة وهدوءها ، فلا مجال للجمع والتوفيق.

وأحياناً..

المهم أنها مجموعة وساوس كثيرة كانت تراودني بين الفينة والأخرى،

في الوقت نفسه أحمل هم المستقبل ، وهم الغربة ، وهم الدراسة ، بماذا أستأنس ، وكيف سأذاكر؟! وماذا أفعل … الخ..

إلى أن جاءت تلك الساعة التي احتجت فيها لأداء فحص طبي لتقديمه أثناء أحد الإجراءات، ولم أدر أنني كنت فيه على موعد مع إحدى المفاجآت، على غير العادة.

أخبرني الطبيب بأنه يوجد لدي ضعف وانحراف في النظر، بصراحة ما كنت أتوقع هذا الشيء أبداً ، فحصت مرة أخرى وثالثة إلى أن تأكد لي ذلك..

بكل بساطة (معقدة نوعاً ما :)) زال هذا العائق ـ بحمد الله ـ ، الذي كان يسبب لي الصداع أثناء القراءة لعشرين أو ثلاثين دقيقة متواصلة.

عائق آخر..

قبيل رحلتي إلى برزبن بأيام ، كنت أفكر ماذا أصطحب من الكتب فأحتار كثيرا،

الكتب وزنها ثقيل، وما أنت بقارئها أصلاً، وعندك النت بتحصل فيها على كل ما ترغب بأن تقرأه (هذه وسوسة طبعاً!)..

لكني جزمت في النهاية وقررت أن آخذ مجموعة كبيرة من الكتب وإن ثقل بها المتاع ، فأخذت ما يزيد على عشرة كتب من الحجم الكبير وعشرة مجلدات تقريباً، أو ربما أكثر..

في ليلة الرحلة ، وقبل مغادرتي بأربع ساعات تقريباً أفقد هذه الكتب مع أغراض أخرى في حادثة عجيبة ، ربما أرويها هنا لاحقاً!

طبعاً كانت رحلتي الفجر ، ففقدي هذه الكتب كان تقريباً منتصف الليل، ولم يكن هناك مجال أصلاً للتفكير فضلاً عن التسوق أو توفيرها بطريقة أو بأخرى!!

يا إلهي! إني أريد أن أقرأ..

تداركت نفسي ببعض الكتب من ها هنا وها هنا ، والباقي يشحنه لي أخي إن شاء الله، خصوصاً أن أهم كتاب كان معي في حقيبتي الصغيرة التي سأصطحبها في الطائرة.

عائق آخر.. أيضاً!

أول الأيام هنا كانت محاولات القراءة كثيراً ما تبوء بالفشل ، لكثرة الأعمال ، وتتابع الهواجيس ، وتغير الجو .. فعلاً هناك عقبات!! صدقوني، هناك سر!!

مرة من المرات وبعد أن استجمعت قواي وبدأت في الصفحات الأولى من الكتاب، إذ بالسيدة ـ صاحبة المنزل الذي أسكن فيه ـ تبدأ في كنس المنزل وحدائقه ، ويبدأ الإزعاج والتشويش في ذلك المنزل الصغير الذي تكاد تسمع فيه أنفاس من في الغرفة الأخرى!

يا إلهي! إني أريد أن أقرأ ..

عائق من أهم العوائق بلا شك..

إنه صاحب الوسوسة ، إنه اللعين ، لقد ازداد يقيني أن من أعسر الأمور عليه أن يجدني ممسكاً بكتاب أستنير منه علماً، وأكتسب فقهاً، وألقى أنساً، وأزداد وعياً، وأتزود إيماناً..

دعونا إذن نتعوذ بالله منه قبل أن نقرأ وأثناء القراءة وبعد القراءة ، وكلما هممنا بأن نغلق كتاباً ، وكلما تكاسلنا عن إتمام الفصل أو المقالة أو الكتاب..

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..

(وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم)
لم آت ببدعة، فالذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون.. وإذا نزغهم من الشيطان نزغ استعاذوا بالله منه.. والتشاغل عن القراءة أو الملل والضجر منها نزغ شيطان، لا بد من الاستعاذة منه..

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

أفتوني مأجورين!

أغسطس 4th, 2008

لا أدري ماذا أسطر في هذه التدوينة
وفي ما سيتلوها من التدوينات خلال هذه الأيام

هل أجعل منها متنفسا لي ومكانا أبث فيه هموم الغربة ومرارة الوحدة وشقاء البعد..

أم أجعل منها مكاناً للتجول والنزهة بين جبال برزبن الخضراء وأزقتها الضيقة ومعالمها الكثيرة وأهلها وشيء من الطرف والغرائب التي لا تغيب عن ناظري في كثير من لحظات التجول والنظر.

أم أجعل منها لوحة للحوار والنقاش وتسطير للأفكار والمشاريع والأحلام ـ إن صحت العبارة ـ والتي ينوء بها الذهن.

أم مساحة رحبة للتواصل ونقل الأخبار والتعارف !

لا أدري بالضبط!
أفتوني مأجورين

بسم الله ..

أغسطس 4th, 2008

ها أنذا أبدأ هذه المرحلة الجديدة في حياتي ، في الأرض البعيدة عن بلادي
في أول الدنيا ، في مدينة برزبن - استراليا.
وقفتين أثناء الرحلة وأتوقع أن المسافة التي تقطعها الطائرة حتى تصل أكثر من ١٥ ألف كيلو متر.
هناك شيء من الغموض يلف هذه المرحلة الجديدة ، أرجو أن يخبئ خلفه الكثير من التوفيق والنجاح والسير القويم نحو الهدف الأسمى بأخصر الطرق !
دعاني إلى اتباع هذه الوسيلة والمغامرة من أجلها شيء من الملل الذي اعتراني ـ كما اعترى الكثيرين غيري ـ من الركود الحاصل في المسيرة ، إن لم يكن التقهقر والتأخر!
لم يكن هناك بد من انتفاضة يسبقها انسلاخ من الأفكار والتفاهات القديمة والخرافات التي شوهت وجوه كثير من الصامدين على طريق الحق المناضلين من أجله ، و تحرز من الكلاليب التي التقطت كثيراً من الأبطال وقيدتهم عن شد المسير نحو ما كانوا يوماً ما يؤملون الوصول إليه ، ثم تحولت هذه الآمال إلى أحلام يقظة!
ويتلوها سير حثيث جاد نحو المجد في صورته المشرقة الصافية النقية
سير قويم لا يعتريه التفات أو انشغال ببنيات الطريق، فلا يلتفت إلا إلى ما فيه عون له على مواصلة المسير..
مستمر في تقدمه ، فلا يتأخر أو يتقهقر إلا لشيء تتحقق فيه مصالحه ويأمن فيه ، لا على نفسه ، وإنما على بلوغ آماله وتحقيق مبتغاه!!
هذه هي الوسيلة التي اخترتها لنفسي .. وأرجو من الله العون والسداد
ولكل وسيلته وطريقته الخاصة المشروعة ،
والملتقى هنالك إن شاء الله..

انقطاع غير متوقع

يوليو 30th, 2008

أعتذر لجميع الإخوة عن الانقطاع الحاصل خلال الفترة  الماضية

فقبل سفري ـ والذي كان الخميس الماضي ليلة الجمعة  ـ  كنت في مرحلة تشويش وانشغال ذهني وعملي أيضا

ثم بعد وصولي لاستراليا صباح السبت لم أتمكن من الاتصال من خلال البيت الذي أسكن فيه  لعدم توفر الخدمة

واليوم حصلت على البطاقة الجامعية واستطعت أن أدخل النت من خلال الخدمة الموفرة للطلاب

سأعود قريبا إن شاء الله تعالى  خلال الأيام القريبة القادمة

أكرر اعتذاري

الشموخ حتى ما بعد الموت - وقفات مع آخر ساعتين في حياة (نديم)

يوليو 13th, 2008

لا أدري هل ستسعفني الكلمات لأصف ما دار بفكري أثناء شهودي لتلك الساعتين

إنها ساعتان فقط ، لكنهما من الساعات التي أجزم أنني لن أنساها في حياتي ، ولو لم أدون عنها في هذه المدونة!

تبعة الخطأ ، وفداحة الخسارة ، وهول المنظر ، وشدة الصمود، وحرارة الموت.. أمور كثيرة ومتداخلة في الوقت نفسه..

إنها الساعات الأخيرة في حياة حصان عربي أصيل يدعى نديم ابن لحصان عربي مشهور أيضاً يدعى صلاح الدين

كان السبب في وفاته ، أو بالأصح (إعدامه)، لأنه أعدم في النهاية، إصابة بسيطة أدت إلى كسر مضاعف في يده ، جعلها تتدلى تدليا لا يمسكها إلا قطعة جلد.

كان المنظر مؤلماً جداً ، أشد إيلاماً منه ، أنك تعلم علم يقين أنك سوف تعدم الحصان بيدك بعد هذه الإصابة ، إراحة له.

كانت هناك محاولات للإبقاء على حياة الحصان ، تحولت إلى استشارات حول الطريقة المثلى للإسراع بـ (موته) ! كان هذا التحول سريعاً وفق معادلة صعبة ، كان من اللزوم فهمها والتماشي معها وفقاً لسنن الحياة والموت ، ومتى تصبح الحياة كالموت ؟ ومتى يكون الموت آفضل من الحياة؟؟!!

لا يزال صمود الحصان ماثلاً أمامي إلى الآن طوال الوقت، تشعر بأنه لم يفكر بالراحة أبداً ..

حصان منهك ، يعاني من هشاشة في عظامه ، ويده اليمنى تتدلى ، بالكاد يقوى على حمل نفسه، ويصر على أن يبقى واقفاً على ثلاث، بل وشامخاً أيضاً!! في صمت مهيب!! كأني به يخفى آلامه وأوجاعه ، ولو استطاع أن يخفي إصابته لفعل..

عجزت أن أجد لهذا الصمود تفسيراً!!

لقد تعلمت منه كثيراً..

كان الأصل عنده البقاء قائما شامخاً ، وكان الجلوس أو الرقاد طارئاً عليه لا يستسلم له إلا مضطراً بأثر مخدر أو نحوه.. ليت شعري من أين له بهذه الفلسفة؟!

تشاهد بعينك حرارة الموت وشدته في سائر جسده ، بعد أن بدأت إبر الرحمة تعمل عملها ..

صدقوني .. المنظر كان مؤلماً جداً..

زاد من الألم أن همس بأذني أحد الحاضرين ممن لي بهم معرفة بسيطة ، بعد أن آلمه منظر الحصان وهو يصارع آلام الموت ، ويهلل ويذكر الله ، همس بأذني والتأثر يبدو على محياه ، أن زوجته ماتت بين يديه قبل شهر ، لتدعه في هذه الحياة يتألم بذكرى وفاتها كلما رأى مشهد وفاة ، ولو كانت وفاة بهيمة ، فالموت هو الموت!!

اجتمعت الدنيا كلها لي في هذا المنظر ، حتى تصورت أن الدنيا كلها انتهت بنهاية حياة هذا البهيمة…

عادت لي خواطر التأمل في شموخ هذا الحصان وصموده وعلوه ، بعد أن رأيت الرافعة ترفعه عالياً في السماء لتتجاوز به الحائط … فأيقنت أن العلو لا يكون في الحياة فقط ، وبدا لي مع بياض الحصان، وخلفه ظلام الليل الدامس قول أبي الحسن الأنباري:

علو في الحياة وفي الممات ** لحق أنت إحدى المعجزات

لقد عاش أكثر حياته شامخاً ، لم يكن يخلد إلى الراحة إلا في أوقات يسيرة جداً ، حتى ولو كان منهكاً بالآلام مضرجاً بالجراحات ، صلبا ، مهيباً ، مرفوع الرأس دائماً ، ومؤدباً مع سائسه كذلك ، لدرجة أنه كان ينقاد مع سائسه حتى وهو يمشي بترنح من ألم الموت ، مع أنه كان يريد قتله ، إلا أن قتله كان الوسيلة الوحيدة لإراحته، كان طبعه فريداً من نوعه ، شجاعاً ، عنيداً في بعض الأحيان ، كان عربياً أصيلاً ..

هذا باختصار ما تعلمته في هذا الموقف ..

أراك محنطاً يا نديم

عبدالوهاب المسيري .. في ذمة الله

يوليو 4th, 2008

أحسن الله عزاء الأمة الإسلامية في فقد هذا العالم والمفكر الكبير الدكتور عبدالوهاب المسيري


نبذة عن الفقيد من الموسوعة الحرة

صاحب الإنجاز الضخم موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية
الموسوعة الجبارة التي لا يسوغ لمثلي الحديث عنها
ولكن ما أستطيع أن أقوله إنها كنز ثمين ومفتاح أساسي ومنطلق قوي لمن نذر نفسه لجهاد يهود
ثم أعزي نفسي وأمتي في وفاته بها

مات في زمن عم فيه انشغال كثير من أفراد الأمة بالتافهين
أفراد ما تسوى الحبر الذي كتب به عبدالوهاب موسوعته ، تفرد لها الصفحات ، وتبث سيرتها القنوات ، ويعلم بهم القاصي والداني
في ذمة الله يا عبدالوهاب
اللهم اغفر لعبدك عبدالوهاب وأسكنه فسيح جناتك

موقع الدكتور
http://www.elmessiri.com/

المنطلق

يوليو 3rd, 2008

بسم الله أبدأ

((أوصي كل قارئ لهذه الفصول أن يتخذ له دفتراً، يدون فيه كل عشية ما رأى في يومه، لا أن يكتب ماذا طبخ وماذا أكل، ولا كم ربح وكم أنفق، فما أريد قائمة مطعم ولا حساب مصرف، بل أريد أن يسجل ما خطر على باله من أفكار، وما اعتلج في صدره من عواطف، وأثر ما رأى أو سمع في نفسه، لا ليطبعها وينشرها، فما كل الناس من أهل الأدب والكتابة والنشر، ولكن ليجد فيها يوماً نفسه التي فقدها.))

كانت هذه الكلمات الجميلة الراقية، والنصيحة الأبوية المشفقة، من شيخ الأدباء علي الطنطاوي في بداية ذكرياته المشهورة.

ولأني أحبه، وأحب كل حرف يسطره، وكل كلمة يتفوه به لسانه، كان لزاماً علي أن أعمل بنصيحته وأنفذ توجيهاته، حبا ووفاء، وسمعا واستفادة.

فها قد اتخذت لي دفتراً (الكترونيا) ، وها أنا أدون فيه..

سأجد في هذا الدفتر ـ إن شاء الله ـ أفكاري ومشاعري التي أبحث عنها وتبحث لها عن مخرج.

سألقى فيه أهلي وإخواني وأحبابي ، وإن نأت بي الدار..

سأستنشق فيه النسيم العليل يرد إلى بعض أجزائي التي افتقدتها ـ رغم حداثة سني !! ـ.

وسأجد فيه روحي ونفسي التي حتما سأفقدها في يوم ما ، في مكان ما ، في عمر ما..

كل هذا الأمور سألقاها في هذا الدفتر!! إذا يتحتم علي أن أنطلق .. على بركة الله تعالى.