آلام النحر
الخميس, ديسمبر 11th, 2008طالت ساعات الشوق..
وانتظر المحب حبيبه..
تزاحمت الصور والخيالات على العقول الذاهلة..
وتأججت المشاعر في القلوب المدنفة..
ولاح في الأفق بريق الفرج..
ودنت ساعة اللقاء..
تم الحجز بحمد الله ، بعد شهر تقريباً..
بدأ ملامح الزيارة المنتظرة تتمثل في الخواطر..
وبدأ الشوق اللاهب يخط السيناريو ويصوغ الأحداث..
وبدأ الحنين يعمل في الفؤاد..
الطلعة البهية..
الرائحة الزكية..
اللحية الجميلة الرصاصية..
العيون السود..
القبلات الحارة..
البهجة الصادقة..
النفس الطاهرة..
القلب الصافي..
كم سأقبله من قبلة..
وكم سأضمه من ضمة…
سأنام في حضنه الدافئ . كما كنت أفعل ذلك من قبل..
سآكل معه.. سأشرب معه.. سأجلس معه في الخيمة نشعل الحطب سوياً ، ونحتسي القهوة والشاي سوياً ، المهم أننا نكون سوياً..
سأصلح له الخيمة إن شاء الله ، مجلسه المفضل..
سأفعل..
وأقول..
و .. و .. و ..
أرجوك يا والدي انتظرني..
(ولدي الحبيب..
والله ما أدري إنت ترجع تلقاني ولا لا؟ )
لا يا والدي أرجوك
لا تقل هذا
كنت أتهرب من هذا السؤال
كان يهاجمني منذ أن ألقاه علي والدي الحبيب ، قبل سفري بأيام..
(ولدي .. عندما أموت افعل كذا وكذا ، ولا تنس كذا وكذا)
أرجوك يا والدي لا تقل هذا ، كنت أهرب أحياناً ، وأغير الموضوع أحياناً أخرى ..
ثم أعود في الليل ، أبكي لوحدي ..
كيف ستكون حالي يوم فراقه؟!
لا لا
لا أريد التفكير..
لكن البكاء يستمر.. لست أدري!!
والدي بخير والحمد لله.. وصحته طيبه.. سيطول عمرك يا والدي فتزداد خيراً ونزداد بك قرباً..
أرجوك يا والدي لا تذهب..
خمس وعشرون سنة ليست كافية للنهل من معينك الصافي..
خمس وعشرون سنة لا تفي لمحبك ومحبوبك..
خمس وعشرون سنة مرحلة ابتدائية في مدرستك العظيمة..
خمس وعشرون سنة لن تغني لتبادل أكوام الحب الصادق بين القلبين..
أرجوك يا والدي لا تفعل..
إني عائد قريباً..
أرجوك يا أبي..
أعلم أنك تريد الذهاب ، لكن أرجوك انتظر لأجلي ..
تريد اللحاق بوالديك ، وإخوانك ، وأختك وحبيبتك التي فارقتك قريباً ..
أعلم ذلك يا أبي…
لا تمت وأنا في الغربة .. أرجوك
ستكون ثقيلة علي جداً يا بابا..
وفي حياتي ما اعتدت منك إلا الخفة والدلال والحب..
طوال عمري القصير ما ضربني قط..
ولا أغلظ علي القول قط..
ولا نهرني قط..
كان حازماً في رحمة ..
زاهداً في سعة..
تقياً صالحاً ..
نافعاً محبوباً أينما حل..
(يا دام أنا حي يا ولدي .. رح ادرس وسو اللي تبي ما عليك)
من لباقته وحنانه ، لا يريد أن يصرح بتكليفي بشيء .. وكأن لسان حاله يقول ، إذا مت ، فأكمل المشوار..
أي رقة قد حواها هذا القلب الكبير..
(عبدالرحمن .. جدي عبدالرحمن .. أبو الدحداح.. تعال وأنا أبوك) هذه الأسماء التي كان يناديني بها..
والله ما دعاني باسم أكرهه في حياتي قط..
قلبي يتلظى الآن في جوفي
لا أشعر بشيء من جسدي إلا بنار حامية تزيدها الدموع لهيباً..
يكاد قلبي يتقطع ..
أشعر أنه ينحر كما تنحر الشاه..
والدي لم يجبني …
أول طلب يرفضه لي ….
ما كنت أتوقع ذلك ..
كنت أؤمل أن أنهي دراستي الطويلة ، وأعود لأعيش معه حياة ملؤها الحب والحنان..
والدي ما انتظرني أنهي دراستي وأعود..
ولا انتظر حتى الزيارة الأولى لي..
لقد نفد صبر والدي..
طال به الشوق..
جلس في مجلسه المعروف في الخيمة بجوار المدفأة..
مازح والدتي..
شرب زمزم..
استلقى نحو القبلة..
رفع سبابته..
تشهد..
ثم أسلم روحه..
…………………..
…………………..
….
هنا تتوقف الكلمات
(آمنت بالله وباليوم الآخر، إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها)