لحظة تأمل!
الأثنين, سبتمبر 22nd, 2008بصراحة فعلاً
تتخاذل الكلمات..
عظمة !
بصراحة فعلاً
تتخاذل الكلمات..
عظمة !
دقائق معدودة وتطل علينا ليال العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم
لك الحمد يا رب حمداً يليق بجلال وجهك
لك الحمد والشكر والثناء الحسن..
أسأل الله أن يجعلها مباركة على الجميع بالطمأنينة والطاعة وحسن العبادة ..
ما كنت أحسب أني سأتحدث عن فتوى اللحيدان منذ بدأت المعمعة حولها وحتى هذه اللحظة التي أسطر فيها هذه الحروف حين قررت أن أكتب قرارا سريعاً فاعذروني إن جانبت الصواب.
الإفتاء والقضاء ، موضوعان من أكثر المواضيع حساسية وأهمية في السعودية بالذات ، بحاجة ماسة إلى قوة الضبط وحسن الإدارة ، وفهم الواقع ومجرياته وحسن التعامل معها، أظن هذه حقائق الجميع يتفق عليها.
أحسست بصراحة وكأني مدفوع إلى إبداء رأيي أو سموها إن شئتم (الفضفضة) دفعاً ، سمعت عن الفتوى وقرأت عنها ، ثم قرأتها ، ولا زلت أشاهد ردات الفعل المحلية والعالمية ، لم أكن بصراحة أكترث بما يجري ، ولم أكن أحرص أصلاً على المتابعة ، آخرها اليوم أثناء عودتي إلى المنزل حينما كنت في الباص أتصفح الجريدة اليومية الشعبية هنا في برزبن وفي استراليا كلها (mx news) إذا بي أشاهد هذ العنوان (TV could be death of you) وإذا به خبر يتحدث عن الفتوى وعن الشيخ صالح اللحيدان كبير القضاء في السعودية وتصريحه بإمكانية إقرار عقوبة القتل لمن يستمرون في بث الفسق عبر القنوات الفضائية.
إلى الآن ما ورد بخاطري أبداً أن أعلق أو أبدي وجهة نظر ، هي فتوى أو حكم قضائي وهل ربما يكون تنفيذي (لست متأكداً!!) تصدر من عالم أحترمه ، وردات فعل إعلامية طبيعية جداً ، لست بالدرجة التي أوجه فيها اللحيدان ، والأصداء الإعلامية ليست أحجاراً أتلاعب بها بين يدي ، إذن لا شيء يؤهلني للخوض والتحليل وتحديد الصواب من الخطأ في حرب لم أملك بعد فيها ناقة ولا بعيراً!
ما دعاني إلى هذه (الفضفضة) هو نحن ، ردة فعلنا وتعاملنا مع قضايا أمثال هذه وقضايا أخرى أكبر أو أصغر..
طاش ما طاش - الاكتتابات - المسعى الجديد - فتوى اللحيدان- بل وحتى تعيين الكلباني إماماً للتروايح في الحرم المكي..
بعد كل قضية تنسى كل محاور القضية وأبعادها ، ويبدأ التناحر والقتال مع بعض ، وهمز ولمز ، وسباب وشتم ، وتقديس وتعظيم ، وكلام فارغ وكلام سيء وكلام مغرض وكلام لمجرد الكلام فقط..
كثير ممن خاض في القضية بلا استثناء أي كان توجهه سواء كان إسلامياً أو ليبرالياً أو تنويرياً أو رجل مخابرات أو غيره ، لا أظن واحداً منا مؤهل أن يتكلم في بعض المواضيع التي يحق للحيدان أن يتكلم فيها خصوصاً فيما يتعلق بالقضاء والدولة ، فضلاً عن أن يعقب عليه أو ينتقده أو يهذب ما قال أو يشرحه ويضيف عليه ما شاء من الحواشي والزيادات ، والفتوى ما لها إلا أيام والشيخ نفسه موجود وأكيد أنه سامع بكل ما يجري وهو أولى أن يتحدث ليبين سواء بتعديل أو إضافة أو حذف أو غير ذلك.
مدارس وأساليب كثيرة أصبحنا نشاهدها بيننا في التعامل مع مثل هذه القضايا..
مدرسة الاستغلال السيء ، ينتمي إليها من يلوي القضية ويترك النقاش الهادف البناء ليلتفت إلى خصمه بعد أن نفدت سهامه الهزيلة محاولاً أن يتقوى بسهام غيره ، سرقة ، لكن لا قطع فيها! (حتى السرقة التي فيها قطع لم يعد فيها قطع!!!)
مدرسة الهمز ، تحويل في الألقاب ، قلة أدب في النداء ، وإتقان لمهارة الاستفزاز ، وفساد للنوايا أبى الله إلا أن يظهره ربما على يد أحد خصومه ، صدق الله العظيم ((ويل لكل همزة لمزة))..
مدرسة الجبن وضعف الشخصية ، ياه فشلنا ، أحرجنا ، ليته قال وليته لم يقل ، أمريكا بتزعل علينا ، والفرنسيين بيكرهوننا ، واليابانيين بيضحكون علينا ، والبنغاليين بيجيبون المصايب للبلد ، والصين بتغلى بضاعتهم ، وتايوان ما عاد هي مجمعة لنا مسجلات ، والهند بتقفل على الرز ، وإيران بتفوز على المنتخب …. الخ
مدرسة الوصاية ، وصاية على بني آدم ، شيوخهم وشيبهم وشبانهم وعلماؤهم وأطفالهم ونساؤهم ورجالهم … الخ ، خبراء موارد بشرية وتحديد وظائف ومواقع ، هذا شيخ وهذا أستاذ وهذامعلم وهذا علماني وهذا متعلمن وهذا مقلد وهذا أصلي ، هؤلاء أسود وهؤلاء بغال وهولاء جرذان ، هذا المرتبة الثالثة وهذا على بند الأجور وهذا الممتازة وهذا المفروض وزير وهذا ملك وهذا النائب الثاني ، يستندون في قراراتهم على معايير كثيرة ، أحياناً العمر والخدمة المدنية وطول اللحية والشارب ولون المشلح ونوعية الزري والمنصب الوظيفي ونوعية الفتاوى والأطروحات وجمال الوجه وحسن الصوت … الخ ، أحياناً يقيلون وأحياناً يعتمدون ترقيات!! تماماً كما إدارة الموارد البشرية.
مدرسة التقديس والغلو ، هذه الفتوى العظيمة ، هذا هو حكم الله ، استمع إلى فلان الرباني الزاهد العابد المخلص المتوكل المنيب المجاهد الذي لا يخاف في الله لومة لائم ، والناس كلهم يحبونه وعامة المسلمين يوالونه ويبغضون خصومه ، خذ بقول الحكيم وقوله الحق الذي ما سواه ضلال …
سبحانك ربي لا إله إلا أنت …. اللهم اغفر لي ، ولإخواني القراء ..
قلة أدب ليست مع العلماء والكبار وعموم المسلمين ، بل حتى مع رب العالمين ، سبحانك اللهم!
الوضع ـ بصراحة ـ ، الناس قاعدة تشتم وتلعن وتسب ، وتبدأ في ذلك أقرب الناس إليها ، وا سوأتاه !
* * *
أتساءل الآن بكل براءة .. أين المشكلة بالضبط ؟؟
يا ترى هل يعيش المحب في هيامه ومحبته وعشقه بلا روح كالتمثال أو الجسد المحنط لا يشعر بشيء مما حوله ، أم أن روحه تنتزع منه انتزاعاً كل لحظة وذلك لإبقائه على رمق من الحياة الجسدية وتمسكه بها وحرصه عليها ، وحتى لو زهد فيها لما كان له أن يتخلص منها إلا إذا أمر الله بذلك..
الفرق شاسع جداً!
( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)
قبل عدة أيام كنت عند طبيب الأسنان ، حيث قرر بعد رؤيته للسن أن يقتلعه لعدم جدوى العلاج معه ، بصراحة كان الطبيب ماهراً في عمله فاقتلعه في وقت يسير رغم ضعفه وتعمق جذوره ، فلم أتألم كثيراً ولله الحمد ، ولم أعر الأمر أي اهتمام لبساطته ، ولكنني صدمت يوم رأيته منفصلاً عني إلى حيث لا رجعة ، وذلك بعد أن تخيلت أنني مجرد أجزاء تتفرق شيئاً فشيئاً.. هكذا ، بكل بساطة!
ما رأيت عسراً كأن تجمع بين مرادك ومراد محبوبك ، فلا أنت قادر على نزع المحبة والتخلي عنها ، ولن تقوى على توحيد المراد!
***
اسمحوا لي أن أحكي لكم عن امرأة من أقرب وأحب نساء الأرض إلي..
ربع قرن وأنا وإياها نتبادل الحب بأسمى معانيه ..
نتطابق في ثلاثة أجزاء من الاسم الرباعي ، فأبوها هو جدي ، وسميت أنا على جدها ، والعائلة هي العائلة ، ولقب القبيلة هو نفسه!
سرور لا أستطيع وصفه حينما تقبل علي من أسفل البيت ، وحينما أرى طلعتها البهية بوجهها المشرق ممزوجة بمشاعر الفرح والترحيب ، وكأنني عائد من سفر أو مهتد بعد طول تيه.
تضمني قبل أن تصافحني ، أحيانا أسبق إلى تقبيل رأسها وأحيانا تسبقني بقبلاتها العذبة وضمتها الحنونة ، كأني بالشوق يحدوني ويحدوها فينسينا فارق العمر وعادات السلام!
تحب والدي كثيراً ، ولا عجب في ذلك ، فهو أخوها الوحيد ، وهي شقيقته الوحيدة ، أكثر من ستين عاماً بحلوها ومرها وأحداثها ومراحلها ، شركاء في الأفراح والأحزان ، وقرب في السجايا وبين القلوب ، لا أجد لحبي لها تفسيراً إلا من حب والدي لها ، وحبها له ، وهذه الرحم وما تفعل!
لن أنسى يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر رجب لعام ألف وأربعمئة وتسعة وعشرين للهجرة ، حينما ذهبت أودعها في آخر يوم لي في السعودية قبل رحلتي إلى أستراليا ، كنت أحسبها الضمة الأخيرة قبل الرحلة ، ما أرحمك يا رب!
لقد كدت أختنق من العبرات حينما هممت بالخروج من منزلها ، آخر منزل وطأته قدماي قبل سفري إلى البعد ، سوى منزل والدي ـ حفظه الله ـ ، كنت أصرف نظري يمنة ويسرة ، والقوى لم تعد هي القوى ، فضلت الفرار بسرعة ، لم أحسب أن الأمور ستكون كما كانت تلك السرعة..
كان أكثر ما يضنيني تلك اللحظات ، حينما أتذكر أن هناك أحبة أعدهم باللقاء ، ويعدونني به ، ثم بعدها بلحظات ، يساورني الشك في الوفاء ، فيتحول بريق هذا الموعد الجميل إلى كدر ودهشة تلاحقني كلما لاح طيف أو ورد خاطر..
كنت أجزم أن هناك أحبة ممن ودعتهم سأحرم لقاهم وسأحرم حتى وداعهم ! ولكني أتهم نفسي محاولاً إقناعها بأنها مجرد وسوسة، وما هي إلا أيام تخبئ وراءها حقائق..
اتصلت بها أول أيام الشهر الكريم ، أبارك لها حلول الشهر وبلوغه ، وأطمئنها على حالي وأطمئن على حالها ، كأني بها تحكي وقائع الاتصال لمحبوبها وابنها الأصغر أحمد أثناء طريقهم إلى مدينة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
أحمد وما أدراك ما أحمد! لي مع هذا الاسم ذكريات ..
هنا أتوقف ..
أحمد بن عبدالله الكثيري ، ابن خالي ، يكبرني ببضعة أشهر ، وزميل الطفولة ، يحمل بين جنبيه قلباً طاهراً نقياً محباً ، كريم منذ صغره ، شجاع مغامر ، يسمع به الخوف ولم يره ، خفيف النفس لطيف المعشر.. كنا نتبادل الحب يوماً ما ، كما نتبادل اللقمة والحلوى ، وكما كنا نلعب بشراهة في أرجاء بيت خالي الفسيح أو مزرعته الواسعة ، وكما كنا نتشاجر ويهجر أحدنا الآخر لنعود بعدها باحثين عن الصلح والوئام ولو لأتفه الأسباب!
لن أنسى السرور الذي كان يغمرني به سنوات الصبا ، لا أزال أحتفظ بوده ومحبته ، وسأحفظها ما حييت ، فقد ودعته في العشر الأخيرة من رمضان قبل ست سنوات ، هناك في إحدى نواحي المنصورية يرتاح في روضة من رياض الجنة إن شاء الله..
أما أحمد الآخر ، فهو أحمد بن زيد الكثيري ، ابن عمتي ، يكبرني أيضاً ببضعة أشهر ، زميلي في الدراسة الثانوية ، ومع الحلقات في تلك الأيام ..
جمع الله له بين قوة العقل وقوة البدن ، زينتها خصال الرجولة التي سبق الرجال إليها منذ أن كان طفلاً ، عجيب كل العجب ، كأنما حيزت له الشجاعة والنخوة والكرم فلم يبق منها لأحد شيء..
أيضاً .. لن أنسى وفاءك وحبك وإخلاصك لابن خالك ، لن أنسى أيام كنا نفتخر ببعض أمام الأصحاب ، كما كنا نلعب مع بعض ونشاغب أيضاً مع بعض..
أعود إلى العمة..
كانت تحب مكة والمدينة ، فرحت بتعيين ابنها ومحبوبها أحمد في المدينة قبل عام رغم البعد ، طمعاً في مجاورة المسجد والمكث في تلك المدينة المباركة..
صار حبها لمكة والمدينة مضرب المثل في العائلة ، لم يعد يهمها إلا متى تذهب ولا تكاد تعود إلا وهي تفكر في الزيارة الأخرى..
كان يحلو لي أن أنادي المهرة المصونة (الجوهرة) بعمتي ، فإذا قلت عمتي علم الجميع أن هناك جسراً من الحب يتم تشييده ، وما كنت أناديها بذلك إلا إذا رأيت منها ما يسر ، كما كنت أسر برؤية عمتي وإطلالتها البهية..
اتفقنا ذلك الخميس أن نتواصل دائماً ، وأن أزورها بمجرد وصولي إن شاء الله
وأكدت ذلك العهد في مكالمة الأثنين أول الشهر..
ما كنت أدري أن مكالمة الأثنين كانت آخر مكالمة !
وأن زيارة الخميس كانت آخر زيارة !
وأن العهد سينقض بعد المكالمة بيومين فقط!!
كانا محرمين من المدينة إلى مكة ملبين بالعمرة.. ليعود بهما قدر الله محمولين إلى بقيع الغرقد!
لقد دفنت عمتي في بقيع الغرقد ، بعيدة عن زوجها ، وأخيها ، وأبنائها ، ومحبيها الكثيرين ، لكنها قريبة من جدها صلى الله عليه عليه وسلم وأمها عائشة والزهراء وأمهات المؤمنين ، هنيئاً لك الجوار يا عمتي.. هنيئاً لك..
أحمد بالتأكيد كان يرتدي إحراماً ، هنا أتوقف لأتذكر الإحرام الذي اشتراه لي في ميقات السيل الكبير ، يوم نسيت إحرامي وفقدت نقودي ، كنا وقتها صغاراً لم نتجاوز الرابعة عشرة ، لكن صدقوني فقد سبق إليها الرجال منذ طفولته..
انتهى الأمر ، فلا مكالمة بعد اليوم ولا زيارة ولا معايدة ، الوداع الذي كنت تودعها يوم الخميس كان الوداع الأخير ، ولو لم تكن تدري بذلك حينها ..
خفي عنك خبر رحيلها وابنها زميلك أحمد ، حين علم القاصي والداني والقريب والبعيد ، خفي عنك ستة أيام ، كأن الناس كلها تواطأت عليك ، ليزداد ألمك وتتضاعف حسرتك ، ولتعلم أنك هنا وحدك ، فتبكي على نفسك قبل بكاءك عليهما..
لن يعزيك هنا أحد ، وربما لن يتذكرك أحد ..
ابك عليهما هنا وحدك ، وابك على نفسك ، فقد أيقنت أنك كنت تودعهما إلى غير لقاء!
==========
تعزية صادقة لكل من
- والدي ووالدتي حفظهما الله وأطال في عمرهما على طاعته ، وإخواني حسين وتركي والأخوات
- الخال زيد الكثيري شفاه الله ورفعه بطاعته ، وأبناءه عبدالله ومحمد وحسين وإبراهيم وعبدالرحمن وأخواتهم ، ويزيد وأحمد أبناء عبدالله
- وصادق التعازي والدعوات بالصبر لسائر الأقارب والزملاء والإخوان جميعاً..