لا أدري هل ستسعفني الكلمات لأصف ما دار بفكري أثناء شهودي لتلك الساعتين
إنها ساعتان فقط ، لكنهما من الساعات التي أجزم أنني لن أنساها في حياتي ، ولو لم أدون عنها في هذه المدونة!
تبعة الخطأ ، وفداحة الخسارة ، وهول المنظر ، وشدة الصمود، وحرارة الموت.. أمور كثيرة ومتداخلة في الوقت نفسه..
إنها الساعات الأخيرة في حياة حصان عربي أصيل يدعى نديم ابن لحصان عربي مشهور أيضاً يدعى صلاح الدين
كان السبب في وفاته ، أو بالأصح (إعدامه)، لأنه أعدم في النهاية، إصابة بسيطة أدت إلى كسر مضاعف في يده ، جعلها تتدلى تدليا لا يمسكها إلا قطعة جلد.
كان المنظر مؤلماً جداً ، أشد إيلاماً منه ، أنك تعلم علم يقين أنك سوف تعدم الحصان بيدك بعد هذه الإصابة ، إراحة له.
كانت هناك محاولات للإبقاء على حياة الحصان ، تحولت إلى استشارات حول الطريقة المثلى للإسراع بـ (موته) ! كان هذا التحول سريعاً وفق معادلة صعبة ، كان من اللزوم فهمها والتماشي معها وفقاً لسنن الحياة والموت ، ومتى تصبح الحياة كالموت ؟ ومتى يكون الموت آفضل من الحياة؟؟!!
لا يزال صمود الحصان ماثلاً أمامي إلى الآن طوال الوقت، تشعر بأنه لم يفكر بالراحة أبداً ..
حصان منهك ، يعاني من هشاشة في عظامه ، ويده اليمنى تتدلى ، بالكاد يقوى على حمل نفسه، ويصر على أن يبقى واقفاً على ثلاث، بل وشامخاً أيضاً!! في صمت مهيب!! كأني به يخفى آلامه وأوجاعه ، ولو استطاع أن يخفي إصابته لفعل..
عجزت أن أجد لهذا الصمود تفسيراً!!
لقد تعلمت منه كثيراً..
كان الأصل عنده البقاء قائما شامخاً ، وكان الجلوس أو الرقاد طارئاً عليه لا يستسلم له إلا مضطراً بأثر مخدر أو نحوه.. ليت شعري من أين له بهذه الفلسفة؟!
تشاهد بعينك حرارة الموت وشدته في سائر جسده ، بعد أن بدأت إبر الرحمة تعمل عملها ..
صدقوني .. المنظر كان مؤلماً جداً..
زاد من الألم أن همس بأذني أحد الحاضرين ممن لي بهم معرفة بسيطة ، بعد أن آلمه منظر الحصان وهو يصارع آلام الموت ، ويهلل ويذكر الله ، همس بأذني والتأثر يبدو على محياه ، أن زوجته ماتت بين يديه قبل شهر ، لتدعه في هذه الحياة يتألم بذكرى وفاتها كلما رأى مشهد وفاة ، ولو كانت وفاة بهيمة ، فالموت هو الموت!!
اجتمعت الدنيا كلها لي في هذا المنظر ، حتى تصورت أن الدنيا كلها انتهت بنهاية حياة هذا البهيمة…
عادت لي خواطر التأمل في شموخ هذا الحصان وصموده وعلوه ، بعد أن رأيت الرافعة ترفعه عالياً في السماء لتتجاوز به الحائط … فأيقنت أن العلو لا يكون في الحياة فقط ، وبدا لي مع بياض الحصان، وخلفه ظلام الليل الدامس قول أبي الحسن الأنباري:
علو في الحياة وفي الممات ** لحق أنت إحدى المعجزات
لقد عاش أكثر حياته شامخاً ، لم يكن يخلد إلى الراحة إلا في أوقات يسيرة جداً ، حتى ولو كان منهكاً بالآلام مضرجاً بالجراحات ، صلبا ، مهيباً ، مرفوع الرأس دائماً ، ومؤدباً مع سائسه كذلك ، لدرجة أنه كان ينقاد مع سائسه حتى وهو يمشي بترنح من ألم الموت ، مع أنه كان يريد قتله ، إلا أن قتله كان الوسيلة الوحيدة لإراحته، كان طبعه فريداً من نوعه ، شجاعاً ، عنيداً في بعض الأحيان ، كان عربياً أصيلاً ..
هذا باختصار ما تعلمته في هذا الموقف ..
أراك محنطاً يا نديم