في سيرة الوالد
مارس 6th, 2009آلام النحر
ديسمبر 11th, 2008طالت ساعات الشوق..
وانتظر المحب حبيبه..
تزاحمت الصور والخيالات على العقول الذاهلة..
وتأججت المشاعر في القلوب المدنفة..
ولاح في الأفق بريق الفرج..
ودنت ساعة اللقاء..
تم الحجز بحمد الله ، بعد شهر تقريباً..
بدأ ملامح الزيارة المنتظرة تتمثل في الخواطر..
وبدأ الشوق اللاهب يخط السيناريو ويصوغ الأحداث..
وبدأ الحنين يعمل في الفؤاد..
الطلعة البهية..
الرائحة الزكية..
اللحية الجميلة الرصاصية..
العيون السود..
القبلات الحارة..
البهجة الصادقة..
النفس الطاهرة..
القلب الصافي..
كم سأقبله من قبلة..
وكم سأضمه من ضمة…
سأنام في حضنه الدافئ . كما كنت أفعل ذلك من قبل..
سآكل معه.. سأشرب معه.. سأجلس معه في الخيمة نشعل الحطب سوياً ، ونحتسي القهوة والشاي سوياً ، المهم أننا نكون سوياً..
سأصلح له الخيمة إن شاء الله ، مجلسه المفضل..
سأفعل..
وأقول..
و .. و .. و ..
أرجوك يا والدي انتظرني..
(ولدي الحبيب..
والله ما أدري إنت ترجع تلقاني ولا لا؟ )
لا يا والدي أرجوك
لا تقل هذا
كنت أتهرب من هذا السؤال
كان يهاجمني منذ أن ألقاه علي والدي الحبيب ، قبل سفري بأيام..
(ولدي .. عندما أموت افعل كذا وكذا ، ولا تنس كذا وكذا)
أرجوك يا والدي لا تقل هذا ، كنت أهرب أحياناً ، وأغير الموضوع أحياناً أخرى ..
ثم أعود في الليل ، أبكي لوحدي ..
كيف ستكون حالي يوم فراقه؟!
لا لا
لا أريد التفكير..
لكن البكاء يستمر.. لست أدري!!
والدي بخير والحمد لله.. وصحته طيبه.. سيطول عمرك يا والدي فتزداد خيراً ونزداد بك قرباً..
أرجوك يا والدي لا تذهب..
خمس وعشرون سنة ليست كافية للنهل من معينك الصافي..
خمس وعشرون سنة لا تفي لمحبك ومحبوبك..
خمس وعشرون سنة مرحلة ابتدائية في مدرستك العظيمة..
خمس وعشرون سنة لن تغني لتبادل أكوام الحب الصادق بين القلبين..
أرجوك يا والدي لا تفعل..
إني عائد قريباً..
أرجوك يا أبي..
أعلم أنك تريد الذهاب ، لكن أرجوك انتظر لأجلي ..
تريد اللحاق بوالديك ، وإخوانك ، وأختك وحبيبتك التي فارقتك قريباً ..
أعلم ذلك يا أبي…
لا تمت وأنا في الغربة .. أرجوك
ستكون ثقيلة علي جداً يا بابا..
وفي حياتي ما اعتدت منك إلا الخفة والدلال والحب..
طوال عمري القصير ما ضربني قط..
ولا أغلظ علي القول قط..
ولا نهرني قط..
كان حازماً في رحمة ..
زاهداً في سعة..
تقياً صالحاً ..
نافعاً محبوباً أينما حل..
(يا دام أنا حي يا ولدي .. رح ادرس وسو اللي تبي ما عليك)
من لباقته وحنانه ، لا يريد أن يصرح بتكليفي بشيء .. وكأن لسان حاله يقول ، إذا مت ، فأكمل المشوار..
أي رقة قد حواها هذا القلب الكبير..
(عبدالرحمن .. جدي عبدالرحمن .. أبو الدحداح.. تعال وأنا أبوك) هذه الأسماء التي كان يناديني بها..
والله ما دعاني باسم أكرهه في حياتي قط..
قلبي يتلظى الآن في جوفي
لا أشعر بشيء من جسدي إلا بنار حامية تزيدها الدموع لهيباً..
يكاد قلبي يتقطع ..
أشعر أنه ينحر كما تنحر الشاه..
والدي لم يجبني …
أول طلب يرفضه لي ….
ما كنت أتوقع ذلك ..
كنت أؤمل أن أنهي دراستي الطويلة ، وأعود لأعيش معه حياة ملؤها الحب والحنان..
والدي ما انتظرني أنهي دراستي وأعود..
ولا انتظر حتى الزيارة الأولى لي..
لقد نفد صبر والدي..
طال به الشوق..
جلس في مجلسه المعروف في الخيمة بجوار المدفأة..
مازح والدتي..
شرب زمزم..
استلقى نحو القبلة..
رفع سبابته..
تشهد..
ثم أسلم روحه..
…………………..
…………………..
….
هنا تتوقف الكلمات
(آمنت بالله وباليوم الآخر، إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها)
ابتسامة القمر
ديسمبر 3rd, 2008أشعر أنني سأكتب مقالة أدبية انطلاقاً من هذا الموضوع ، تأسياً بأرباب الأدب - كما تعلمون - الذين لهم مع القمر صولات وجولات.
بصراحة أن الدافع لم يكن كذلك ، لكن دعوني أستطرد ، وأعود إلى الموضوع الرئيسي في النهاية !
سورة القمر ، من سور القرآن العظيمة ، كم أشعر بالاستمتاع لحظات استماعها وتلاوتها ، خصوصاً عندما يختلط نسيمها مع
نسيم الصبح أثناء صلاة الفجر ، آياتها قصيرة ذات وقع شديد على قلب المتأمل ، سرد مختصر لأحداث وقصص بعض الأنبياء - عليهم السلام - يصور لك ماهية الصراع ببساطة ، بتنوع عجيب يحكي لك الطباع الفاسدة التي انطوت عليها نفوس الأشرار ، السخرية والاحتقار ، التكذيب ، الاحتيال ، الشذوذ ، الظلم ، يلخصها في النهاية بالجزاء العادل لأهل الإجرام ، والثواب المعد لأهل التقوى ، مختومة بآية تبعث في النفس كل مشاعر الرحمة والإحساس بالطمأنينة والرضى (في مقعد صدق عند مليك مقتدر)..
ليت شعري كم من المشاعر والأحاسيس والنصوص والمقالات التي استمدت روعتها من هذا القمر.
لا أستطيع أن أنسى تلك اللحظات التي رافقني فيها القمر ، لم تزغ عنه عيناي لساعات طويلة بين مطاري سنغافورة وبرزبن ، كان قريباً جداً مني ، أشعر أني لو أخرجت يدي لمسته ، شريط ذكريات وأحداث وأفراح وهموم لسنوات عدة مرت خلال تلك الساعات ، شعرت وقتها بأن القمر لم يكن سوى وسيلة تخزين عاطفية ، لا تحتفظ إلا بأصفى لحظات الحب وصدق الإحساس ، وتبوح بها في وقت مماثل عند الحاجة .
يحدوني الشوق إلى لحظات الليالي الزهر ، حينما يختلسها الحب فوق تل أعفر ، أو على ظهور الصافنات الجياد ، يتسلل وهج إضاءته إلى كل خلية من خلايا جسد مدنف ليذكي فيها ما تكتنفه من شعور ، ويزودها بوقود حياة لا يكفي إلا لمجرد محاولة الإحساس بهذه الحياة التي تبقت في هذه الخلية ، فهو بذلك لا يعطي أي فرصة للنفس الشريرة أن تبخل ولو بذرة واحدة ، فيعطي بقدر ما يعلم في داخل هذه النفس من حب وبذل ، كأنك بالضبط تصرف المال قبل أن تقبضه ، لتتخلص بذلك من تبعات الاحتفاظ به والهموم المصاحبة لقبضه ، وتستمتع - في الوقت نفسه - بما يمكن أن يجلبه لك هذا المال من لذائذ ومحبوبات!
اكتشفت أن القمر كان يبتسم لنا في مطلع كل شهر !
لم أتصور أن انحناءته الناعمة لم تكن سوى ابتسامة يهديها لكل من ينعم بالنظر إليه مع بداية كل شهر قمري..
أجزم أنه يرى شيئا لا يرضي ولا يسر ، موبقات ومصائب ، كوارث ومحن ، ومع ذلك يصر على أن يبقى مبتسماً !
هذا ما شاهدته هذه الليالي هنا كما تشاهد في هذه الصورة التي يقال أنها لن تتكرر إلا بعد ست وثلاثين سنة ، ولكن الابتسامة ستظل حاضرة مع مطلع كل شهر ، النجمتين مقابل القمر ، وكأنها ابتسامة حسناء ، تغمز بإحدى عينيها قليلاً ، ليلوح لك بريق الأخرى ، صدقوني ، المشهد حقيقي ، وليس من نسج خيال ، هاكم الصورة التقطتها من الحديقة الخلفية للمنزل ، وأعدكم بصورة أوضح الليلة المقبلة إن تيسر ذلك.
وعشركم مباركة
كل عيد وأنتم في حال أسعد
أكتوبر 6th, 2008لحظة تأمل!
سبتمبر 22nd, 2008بصراحة فعلاً
تتخاذل الكلمات..
عظمة !
ليال مباركة
سبتمبر 20th, 2008دقائق معدودة وتطل علينا ليال العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم
لك الحمد يا رب حمداً يليق بجلال وجهك
لك الحمد والشكر والثناء الحسن..
أسأل الله أن يجعلها مباركة على الجميع بالطمأنينة والطاعة وحسن العبادة ..
فتوى اللحيدان .. أين المشكلة؟؟
سبتمبر 17th, 2008ما كنت أحسب أني سأتحدث عن فتوى اللحيدان منذ بدأت المعمعة حولها وحتى هذه اللحظة التي أسطر فيها هذه الحروف حين قررت أن أكتب قرارا سريعاً فاعذروني إن جانبت الصواب.
الإفتاء والقضاء ، موضوعان من أكثر المواضيع حساسية وأهمية في السعودية بالذات ، بحاجة ماسة إلى قوة الضبط وحسن الإدارة ، وفهم الواقع ومجرياته وحسن التعامل معها، أظن هذه حقائق الجميع يتفق عليها.
أحسست بصراحة وكأني مدفوع إلى إبداء رأيي أو سموها إن شئتم (الفضفضة) دفعاً ، سمعت عن الفتوى وقرأت عنها ، ثم قرأتها ، ولا زلت أشاهد ردات الفعل المحلية والعالمية ، لم أكن بصراحة أكترث بما يجري ، ولم أكن أحرص أصلاً على المتابعة ، آخرها اليوم أثناء عودتي إلى المنزل حينما كنت في الباص أتصفح الجريدة اليومية الشعبية هنا في برزبن وفي استراليا كلها (mx news) إذا بي أشاهد هذ العنوان (TV could be death of you) وإذا به خبر يتحدث عن الفتوى وعن الشيخ صالح اللحيدان كبير القضاء في السعودية وتصريحه بإمكانية إقرار عقوبة القتل لمن يستمرون في بث الفسق عبر القنوات الفضائية.
إلى الآن ما ورد بخاطري أبداً أن أعلق أو أبدي وجهة نظر ، هي فتوى أو حكم قضائي وهل ربما يكون تنفيذي (لست متأكداً!!) تصدر من عالم أحترمه ، وردات فعل إعلامية طبيعية جداً ، لست بالدرجة التي أوجه فيها اللحيدان ، والأصداء الإعلامية ليست أحجاراً أتلاعب بها بين يدي ، إذن لا شيء يؤهلني للخوض والتحليل وتحديد الصواب من الخطأ في حرب لم أملك بعد فيها ناقة ولا بعيراً!
ما دعاني إلى هذه (الفضفضة) هو نحن ، ردة فعلنا وتعاملنا مع قضايا أمثال هذه وقضايا أخرى أكبر أو أصغر..
طاش ما طاش - الاكتتابات - المسعى الجديد - فتوى اللحيدان- بل وحتى تعيين الكلباني إماماً للتروايح في الحرم المكي..
بعد كل قضية تنسى كل محاور القضية وأبعادها ، ويبدأ التناحر والقتال مع بعض ، وهمز ولمز ، وسباب وشتم ، وتقديس وتعظيم ، وكلام فارغ وكلام سيء وكلام مغرض وكلام لمجرد الكلام فقط..
كثير ممن خاض في القضية بلا استثناء أي كان توجهه سواء كان إسلامياً أو ليبرالياً أو تنويرياً أو رجل مخابرات أو غيره ، لا أظن واحداً منا مؤهل أن يتكلم في بعض المواضيع التي يحق للحيدان أن يتكلم فيها خصوصاً فيما يتعلق بالقضاء والدولة ، فضلاً عن أن يعقب عليه أو ينتقده أو يهذب ما قال أو يشرحه ويضيف عليه ما شاء من الحواشي والزيادات ، والفتوى ما لها إلا أيام والشيخ نفسه موجود وأكيد أنه سامع بكل ما يجري وهو أولى أن يتحدث ليبين سواء بتعديل أو إضافة أو حذف أو غير ذلك.
مدارس وأساليب كثيرة أصبحنا نشاهدها بيننا في التعامل مع مثل هذه القضايا..
مدرسة الاستغلال السيء ، ينتمي إليها من يلوي القضية ويترك النقاش الهادف البناء ليلتفت إلى خصمه بعد أن نفدت سهامه الهزيلة محاولاً أن يتقوى بسهام غيره ، سرقة ، لكن لا قطع فيها! (حتى السرقة التي فيها قطع لم يعد فيها قطع!!!)
مدرسة الهمز ، تحويل في الألقاب ، قلة أدب في النداء ، وإتقان لمهارة الاستفزاز ، وفساد للنوايا أبى الله إلا أن يظهره ربما على يد أحد خصومه ، صدق الله العظيم ((ويل لكل همزة لمزة))..
مدرسة الجبن وضعف الشخصية ، ياه فشلنا ، أحرجنا ، ليته قال وليته لم يقل ، أمريكا بتزعل علينا ، والفرنسيين بيكرهوننا ، واليابانيين بيضحكون علينا ، والبنغاليين بيجيبون المصايب للبلد ، والصين بتغلى بضاعتهم ، وتايوان ما عاد هي مجمعة لنا مسجلات ، والهند بتقفل على الرز ، وإيران بتفوز على المنتخب …. الخ
مدرسة الوصاية ، وصاية على بني آدم ، شيوخهم وشيبهم وشبانهم وعلماؤهم وأطفالهم ونساؤهم ورجالهم … الخ ، خبراء موارد بشرية وتحديد وظائف ومواقع ، هذا شيخ وهذا أستاذ وهذامعلم وهذا علماني وهذا متعلمن وهذا مقلد وهذا أصلي ، هؤلاء أسود وهؤلاء بغال وهولاء جرذان ، هذا المرتبة الثالثة وهذا على بند الأجور وهذا الممتازة وهذا المفروض وزير وهذا ملك وهذا النائب الثاني ، يستندون في قراراتهم على معايير كثيرة ، أحياناً العمر والخدمة المدنية وطول اللحية والشارب ولون المشلح ونوعية الزري والمنصب الوظيفي ونوعية الفتاوى والأطروحات وجمال الوجه وحسن الصوت … الخ ، أحياناً يقيلون وأحياناً يعتمدون ترقيات!! تماماً كما إدارة الموارد البشرية.
مدرسة التقديس والغلو ، هذه الفتوى العظيمة ، هذا هو حكم الله ، استمع إلى فلان الرباني الزاهد العابد المخلص المتوكل المنيب المجاهد الذي لا يخاف في الله لومة لائم ، والناس كلهم يحبونه وعامة المسلمين يوالونه ويبغضون خصومه ، خذ بقول الحكيم وقوله الحق الذي ما سواه ضلال …
سبحانك ربي لا إله إلا أنت …. اللهم اغفر لي ، ولإخواني القراء ..
قلة أدب ليست مع العلماء والكبار وعموم المسلمين ، بل حتى مع رب العالمين ، سبحانك اللهم!
الوضع ـ بصراحة ـ ، الناس قاعدة تشتم وتلعن وتسب ، وتبدأ في ذلك أقرب الناس إليها ، وا سوأتاه !
* * *
أتساءل الآن بكل براءة .. أين المشكلة بالضبط ؟؟
عمتي وأحمد
سبتمبر 10th, 2008يا ترى هل يعيش المحب في هيامه ومحبته وعشقه بلا روح كالتمثال أو الجسد المحنط لا يشعر بشيء مما حوله ، أم أن روحه تنتزع منه انتزاعاً كل لحظة وذلك لإبقائه على رمق من الحياة الجسدية وتمسكه بها وحرصه عليها ، وحتى لو زهد فيها لما كان له أن يتخلص منها إلا إذا أمر الله بذلك..
الفرق شاسع جداً!
( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)
قبل عدة أيام كنت عند طبيب الأسنان ، حيث قرر بعد رؤيته للسن أن يقتلعه لعدم جدوى العلاج معه ، بصراحة كان الطبيب ماهراً في عمله فاقتلعه في وقت يسير رغم ضعفه وتعمق جذوره ، فلم أتألم كثيراً ولله الحمد ، ولم أعر الأمر أي اهتمام لبساطته ، ولكنني صدمت يوم رأيته منفصلاً عني إلى حيث لا رجعة ، وذلك بعد أن تخيلت أنني مجرد أجزاء تتفرق شيئاً فشيئاً.. هكذا ، بكل بساطة!
ما رأيت عسراً كأن تجمع بين مرادك ومراد محبوبك ، فلا أنت قادر على نزع المحبة والتخلي عنها ، ولن تقوى على توحيد المراد!
***
اسمحوا لي أن أحكي لكم عن امرأة من أقرب نساء الأرض إلي..
ربع قرن وأنا وإياها نتبادل الحب بأسمى معانيه ..
نتطابق في ثلاثة أجزاء من الاسم الرباعي ، فأبوها هو جدي ، وسميت أنا على جدها ، والعائلة هي العائلة ، ولقب القبيلة هو نفسه!
سرور لا أستطيع وصفه حينما تقبل علي من أسفل البيت ، وحينما أرى طلعتها البهية بوجهها المشرق ممزوجة بمشاعر الفرح والترحيب ، وكأنني عائد من سفر أو مهتد بعد طول تيه.
تضمني قبل أن تصافحني ، أحيانا أسبق إلى تقبيل رأسها وأحيانا تسبقني بقبلاتها العذبة وضمتها الحنونة ، كأني بالشوق يحدوني ويحدوها فينسينا فارق العمر وعادات السلام!
تحب والدي كثيراً ، ولا عجب في ذلك ، فهو أخوها الوحيد ، وهي شقيقته الوحيدة ، أكثر من ستين عاماً بحلوها ومرها وأحداثها ومراحلها ، شركاء في الأفراح والأحزان ، وقرب في السجايا وبين القلوب ، لا أجد لحبي لها تفسيراً إلا من حب والدي لها ، وحبها له ، وهذه الرحم وما تفعل!
لن أنسى يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر رجب لعام ألف وأربعمئة وتسعة وعشرين للهجرة ، حينما ذهبت أودعها في آخر قبل رحلتي للدراسة، كنت أحسبها الضمة الأخيرة قبل الرحلة ، ما أرحمك يا رب!
لقد كدت أختنق من العبرات حينما هممت بالخروج من منزلها ، آخر منزل وطأته قدماي قبل سفري إلى البعد ، سوى منزل والدي ـ حفظه الله ـ ، كنت أصرف نظري يمنة ويسرة ، والقوى لم تعد هي القوى ، فضلت الفرار بسرعة ، لم أحسب أن الأمور ستكون كما كانت تلك السرعة..
كان أكثر ما يضنيني تلك اللحظات ، حينما أتذكر أن هناك أحبة أعدهم باللقاء ، ويعدونني به ، ثم بعدها بلحظات ، يساورني الشك في الوفاء ، فيتحول بريق هذا الموعد الجميل إلى كدر ودهشة تلاحقني كلما لاح طيف أو ورد خاطر..
كنت أجزم أن هناك أحبة ممن ودعتهم سأحرم لقاهم وسأحرم حتى وداعهم ! ولكني أتهم نفسي محاولاً إقناعها بأنها مجرد وسوسة، وما هي إلا أيام تخبئ وراءها حقائق..
اتصلت بها أول أيام الشهر الكريم ، أبارك لها حلول الشهر وبلوغه ، وأطمئنها على حالي وأطمئن على حالها ، كأني بها تحكي وقائع الاتصال لمحبوبها وابنها الأصغر أحمد أثناء طريقهم إلى مدينة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
أحمد وما أدراك ما أحمد! لي مع هذا الاسم ذكريات ..
هنا أتوقف ..
أحمد ابن خالي ، يكبرني ببضعة أشهر ، وزميل الطفولة ، يحمل بين جنبيه قلباً طاهراً نقياً محباً ، كريم منذ صغره ، شجاع مغامر ، يسمع به الخوف ولم يره ، خفيف النفس لطيف المعشر.. كنا نتبادل الحب يوماً ما ، كما نتبادل اللقمة والحلوى ، وكما كنا نلعب بشراهة في أرجاء بيت خالي الفسيح أو مزرعته الواسعة ، وكما كنا نتشاجر ويهجر أحدنا الآخر لنعود بعدها باحثين عن الصلح والوئام ولو لأتفه الأسباب!
لن أنسى السرور الذي كان يغمرني به سنوات الصبا ، لا أزال أحتفظ بوده ومحبته ، وسأحفظها ما حييت ، فقد ودعته في العشر الأخيرة من رمضان قبل ست سنوات ، هناك في إحدى نواحي المنصورية يرتاح في روضة من رياض الجنة إن شاء الله..
أما أحمد الآخر ، فهو ابن عمتي ، يكبرني أيضاً ببضعة أشهر ، زميلي في الدراسة الثانوية وأيام الصغر ..
جمع الله له بين قوة العقل وقوة البدن ، زينتها خصال الرجولة التي سبق الرجال إليها منذ أن كان طفلاً ، عجيب كل العجب ، كأنما حيزت له الشجاعة والنخوة والكرم فلم يبق منها لأحد شيء..
أيضاً .. لن أنسى وفاءك وحبك وإخلاصك لابن خالك ، لن أنسى أيام كنا نفتخر ببعض أمام الأصحاب ، كما كنا نلعب مع بعض ونشاغب أيضاً مع بعض..
أعود إلى العمة..
كانت تحب مكة والمدينة ، فرحت بتعيين ابنها ومحبوبها أحمد في المدينة قبل عام رغم البعد ، طمعاً في مجاورة المسجد والمكث في تلك المدينة المباركة..
صار حبها لمكة والمدينة مضرب المثل في العائلة ، لم يعد يهمها إلا متى تذهب ولا تكاد تعود إلا وهي تفكر في الزيارة الأخرى..
كان يحلو لي أن أنادي المهرة المصونة (الجوهرة) بعمتي ، فإذا قلت عمتي علم الجميع أن هناك جسراً من الحب يتم تشييده ، وما كنت أناديها بذلك إلا إذا رأيت منها ما يسر ، كما كنت أسر برؤية عمتي وإطلالتها البهية..
اتفقنا ذلك الخميس أن نتواصل دائماً ، وأن أزورها بمجرد وصولي إن شاء الله
وأكدت ذلك العهد في مكالمة الأثنين أول الشهر..
ما كنت أدري أن مكالمة الأثنين كانت آخر مكالمة !
وأن زيارة الخميس كانت آخر زيارة !
وأن العهد سينقض بعد المكالمة بيومين فقط!!
كانا محرمين من المدينة إلى مكة ملبين بالعمرة.. ليعود بهما قدر الله محمولين إلى بقيع الغرقد!
لقد دفنت عمتي في بقيع الغرقد ، بعيدة عن زوجها ، وأخيها ، وأبنائها ، ومحبيها الكثيرين ، لكنها قريبة من جدها صلى الله عليه عليه وسلم وأمها عائشة والزهراء وأمهات المؤمنين ، هنيئاً لك الجوار يا عمتي.. هنيئاً لك.. انتهى الأمر ، فلا مكالمة بعد اليوم ولا زيارة ولا معايدة ، الوداع الذي كنت تودعها يوم الخميس كان الوداع الأخير ، ولو لم تكن تدري بذلك حينها ..
خفي عنك خبر رحيلها وابنها زميلك أحمد ، حين علم القاصي والداني والقريب والبعيد ، خفي عنك ستة أيام ، كأن الناس كلها تواطأت عليك ، ليزداد ألمك وتتضاعف حسرتك ، ولتعلم أنك هنا وحدك ، فتبكي على نفسك قبل بكاءك عليهما..
لن يعزيك هنا أحد ، وربما لن يتذكرك أحد ..
ابك عليهما هنا وحدك ، وابك على نفسك ، فقد أيقنت أنك كنت تودعهما إلى غير لقاء!
شيء من المعاناة
أغسطس 30th, 2008لله ، ما أقساها من لحظات ، حينما يشعر المحب بانخلاع روحه عن جسده وانتقالها إلى مكان بعيد، ليظل بعد ذلك مكلوماً يتألم في نهاره مع نصبه وكده ، كما يتوجع وحيداً في ليله، يقابل ابتسامة الصبح بابتسامة متكلفة تخفي وراءها شيئا من ثقل نفس سرعان ما يدب إليها النصب ويهدها الجهد هداً ، ولا عجب في ذلك ، فكيف سيكون فيها بقية وهي لم تأخذ من الليل إلا همه وثقل وطأته ومر مذاقه، وما نسيت إلا راحته وسكنه ولذة نومه..
يثقل عليه كل شيء ، حتى الشهيق ، فروحه هي التي تتنفس ، وقد نأت عنه بعيداً ، فصار يستنشق النفس الذي يحتاجه جسده الذي هو جسده لم يتغير، ببقية باقية من روحه !
يحاول الجسد أن يكيف نفسه مع مقدار الحياة الذي شح عليه كثيراً ، فيجد الفرق شاسعاً جداً ، يتخبط ذات اليمين وذات الشمال باحثاً عن حياته ، يعود بعد كل جولة خاسرة ليبحث عن روحه التي فقد لعله أن يجد ولو شيئاً منها ، فلا يحظى إلا بمزيد بعد وجرعات تزيده ألماً.
كان يتمنى دوام الوصال والقرب من حبيبه الذي ملأ قلبه ، فإذا به لا يفاجأ بفقده فقط ، وإنما روحه التي بين جنبيه ، وفؤاده العامر بالنبض ، أصبحا يتأبيان عليه ويفارقانه كل يوم مرات عدة، فارق حبيبه مرة واحدة في لحظات معدودة ، أطفأت حرارتها دمعات تنسكب لتبرد فؤاده قبل أن تلامس جسده ، وعبرات كبلت عقله عن التفكير كما كبلت لسانه عن الحديث ، لم يكن يدري المسكين أن أيام وساعات كثيرة بانتظاره يفارق فيه قلبه وروحه وحياته كلها وحده ، يتألم للبعد كلما تلذذ بالذكرى ، تألم يوم الفراق مرة ، ثم ها هو يعالج مرارة أشد كل يوم ألف مرة ، يتلظى بلهيبها وحده ، فلا دموع تبرد عليه ، ولا مسامر يخفف عنه ، ولا الحبيب بجواره ليتظاهر بالقوة والجلد أمامه ، حتى هو نفسه لم يعد يرى نفسه ، لم يعد يرى إلا الظلام ، أو أن الظلام حجب عنه رؤية كل شيء!
يرى تاريخ حياته كله وكأنه يقرأ مذكراته ، بمواقفه وذكرياته ودروسه ، يتذكر حلوه ومره ، ولكنه الآن لا يشعر إلا بمره فقط ..
يرى القمر في أبهى صورة له ، ويسر به كثيراً ، لله ما أجمله وما أنقاه وما أوفاه ، إنه معي دائماً منذ أبصرت عيناي ، إنه هو القمر الذي كان يراه كل يوم مع حبيبه ، هنا يتوقف السرور ..
يحلق بعينيه في السماء الصافية ، يتنقل بين سحبها كما يتنقل أحدكم بين أهله وأحبابه ، لله ما أوفاها أيضاً ، لقد صاحبته في غربته كما كانت معه من قبل ، إنها هي هي ، يتحول تأمله إلى أسى ولوعة حينما يتذكر أنه كان يجلس تحت أديمها هو وحبيبه متى شاء ..
يهب النسيم العليل ، في مكان خلاب لا تملك إلا أن تقول أنه جزء من الجنة ، تراوده نفسه بأن يفرح ويبتهج ويبتسم لهذا النعيم ، وحينما يهم ويجزم بذلك ، إذا به يستنشق رائحة حبيبه مع كل ذرة هواء أدركت أن تتسلل إلى رئتيه ، لتتسلل دموعه بين جفنيه ، ساخنة سخونة الجحيم التي تلظى في فؤاده..
هذه هي المحبة..
وهذا هو البعد..
وهذا شيء من المعاناة .. باختصار
